الأخبارمنوعات

من كواليس الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة .. مواقف لا تلتقطها الكاميرات!

الصدى – وكالات/: خلف منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث يقف رؤساء الدول والحكومات أمام العالم لإلقاء كلماتهم الرسمية، تجري حياة أخرى أقل بروتوكولية وأكثر ازدحاماً وتوتراً. مئات الاجتماعات الثنائية، اتصالات عاجلة، ترتيبات أمنية، مساومات دبلوماسية، سباق مع الوقت، وأحياناً مواقف صغيرة أو محرجة تتحول خلال دقائق إلى صور تتناقلها وسائل الإعلام حول العالم.

 

ففي أسبوع الجمعية العامة، لا تقاس أهمية الحدث بعدد الدقائق التي يقضيها القادة على المنصة فقط؛ إذ قد يكون اللقاء الذي يستمر دقائق خلف الأبواب المغلقة أكثر تأثيراً من خطاب كامل، وقد تصبح صورة عابرة لمسؤول ينظر إلى هاتفه أو يهمس لمساعده أكثر انتشاراً من مضمون كلمته.

خلف الستار.. معركة تبدأ قبل صعود المنصة

خلف كل خطاب كبير، يوجد فريق يتابع الوقت بدقة، لأن أي تجاوز كبير للمدة المحددة يمكن أن يؤثر في جدول الجلسة والوفود اللاحقة. ولهذا تصبح إدارة الوقت جزءاً من العمل البروتوكولي، وأحياناً تتحول المهمة الأصعب إلى كيفية تنبيه المتحدث بأن وقته انتهى دون تحويل المشهد إلى واقعة محرجة.

وهنا تظهر مفارقة الجمعية العامة: دقائق قليلة على المنصة قد تكون نتيجة ساعات من الإعداد والمراجعة والتدقيق والتنسيق بين الوفد والمتحدث وفريق البروتوكول والإعلام.

خطاب واحد.. ونسخ احتياطية لكل طارئ

ولا يصل المتحدث عادة إلى منصة الأمم المتحدة بنسخة واحدة من خطابه. فالنسخ الاحتياطية، والملاحظات الإضافية، والتعديلات الأخيرة، جزء من الاستعداد لواحدة من أكثر المناسبات الإعلامية حساسية في العالم.

وقد يبدو الخطاب أمام الكاميرات سلساً ومنضبطاً، بينما تكون وراءه عشرات الأوراق والتعديلات والتوجيهات، خصوصاً عندما تتغير التطورات السياسية قبل لحظات من بدء الجلسة.

في غرف الترجمة.. سباق لا يسمعه الجمهور

وبينما يركز الجمهور على المتحدث، يخوض المترجمون الفوريون سباقاً موازياً. أسماء رؤساء الدول، والاختصارات، والأرقام، والمصطلحات القانونية والعسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، كلها تصل إلى غرف الترجمة بسرعة كبيرة، ويحتاج نقلها بدقة إلى قرارات لغوية تُتخذ خلال أجزاء من الثانية.

والأمر لا يتعلق بالترجمة الحرفية فقط؛ فالمترجم مطالب بنقل المعنى والسياق والنبرة، بينما يستمر المتحدث في الكلام ولا يمنحه فرصة لإعادة الجملة أو انتظار المصطلح المناسب.

الممرات أهم من المنصة أحياناً

خلف القاعة الرئيسية، تتحول نيويورك خلال أسبوع الجمعية العامة إلى ورشة دبلوماسية هائلة. اجتماعات ثنائية واتصالات عاجلة ومشاورات بين الوفود وترتيبات أمنية وإعلامية تتواصل بالتوازي مع الجلسات الرسمية.

وفي دورة 2026، ظهرت هذه الدبلوماسية الخلفية بوضوح في التحركات المرتبطة بالحرب الأميركية ـ الإيرانية؛ فقد شهدت أروقة نيويورك اتصالات غير مباشرة ومساعٍ للوساطة حول الحرب ومضيق هرمز، فيما عقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لقاءات مع قادة خليجيين بالتوازي مع الاجتماعات الأممية. وقد نقلت رويترز أن مسؤولين إيرانيين وأميركيين تحركوا عبر قنوات ووسطاء في محاولة لدفع المسار الدبلوماسي.

وفي هذه المساحة تحديداً، كثيراً ما تكون الساعات التي تسبق الخطاب أو تليه أكثر كثافة من الدقائق التي يقضيها الزعيم أمام الجمعية العامة.

مقاعد فارغة.. وصمت يتحول إلى رسالة

وفي 24 سبتمبر 2026، شهدت قاعة الجمعية العامة واحدة من أبرز اللقطات السياسية في الدورة الحالية، عندما غادر عشرات المندوبين القاعة مع بدء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابه. وسرعان ما تحولت مشاهد المغادرة إلى واحدة من أكثر صور الأسبوع تداولاً، فأصبح الغياب الجماعي عن المقاعد جزءاً من رسالة الاحتجاج نفسها.

وهنا لا تكون الكاميرا مجرد ناقل للحدث؛ بل تصبح جزءاً من الحدث، إذ يمكن لمشهد واحد داخل القاعة أن يختصر موقفاً سياسياً كاملاً.

عندما تلتقط العدسة ما لا يقوله الخطاب

لكن الكاميرا قد تكون أيضاً مصدراً لسوء الفهم. مسؤول مغمض العينين قد يبدو وكأنه نائم، فيما قد يكون في الحقيقة يغمض عينيه للحظات أو ينظر إلى أوراقه. وشخص ينظر إلى هاتفه قد يكون يتابع تطوراً عاجلاً، أو يتلقى توجيهاً من وفده.

ولهذا تبقى قاعدة الصحافة الأساسية: الصورة بداية القصة وليست القصة كلها.

ورقة صغيرة.. وإحراج عالمي

في عام 2005، التقط مصور من رويترز صورة للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش وهو يكتب ملاحظة إلى وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس، بدا فيها أنه يسأل عن إمكانية أخذ استراحة للذهاب إلى الحمام أثناء اجتماع الأمم المتحدة. وأكدت إفادات نقلتها وسائل إعلام لاحقاً أن بوش غادر القاعة لفترة قصيرة بعد ذلك. وانتشرت الصورة على نطاق واسع لأنها كشفت جانباً شخصياً غير متوقع داخل اجتماع رسمي شديد البروتوكول.

ضحكة في غير أوانها.. وترامب يرد

وفي سبتمبر 2018، تحولت بداية خطاب دونالد ترامب في الجمعية العامة إلى لحظة أخرى لا تزال حاضرة في أرشيف الصور التلفزيونية. فعندما قال إن إدارته حققت خلال أقل من عامين أكثر مما حققته «تقريباً أي إدارة أخرى» في تاريخ الولايات المتحدة، انطلقت ضحكات في القاعة. ورد ترامب قائلاً إنه لم يتوقع تلك الاستجابة، قبل أن يواصل خطابه.

كان الموقف ثواني قليلة فقط، لكنه طغى إعلامياً على أجزاء طويلة من الخطاب.

269 دقيقة على المنصة.. عندما يصبح الوقت خبراً

وفي 26 سبتمبر 1960، صنع الزعيم الكوبي فيدل كاسترو واحدة من أشهر الوقائع في تاريخ المنظمة الدولية، عندما بقي على المنصة 269 دقيقة، في أطول خطاب مؤقت مسجل في تاريخ الجمعية العامة.

وبعد أكثر من ستة عقود، لا تزال مدة الخطاب جزءاً أساسياً من الذاكرة المرتبطة بتلك الدورة.

حذاء خروتشوف.. قصة ما زالت تثير الأسئلة

ومن أشهر القصص المرتبطة بالجمعية العامة حادثة الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف، الذي يُقال إنه ضرب حذاءه على مكتب وفده خلال جلسة عام 1960 احتجاجاً على مداخلة سياسية.

لكن المفارقة أن الأمم المتحدة نفسها تتعامل مع الواقعة باعتبارها رواية تاريخية شهيرة لم تُحسم تفاصيلها بشكل قاطع، وقد خصصت مادة أرشيفية للسؤال حول حقيقة ما جرى وتفاصيله.

القذافي.. حين خرج الخطاب عن المألوف

وفي 23 سبتمبر 2009، قدم العقيد معمر القذافي أحد أكثر الخطابات إثارة للجدل في تاريخ الجمعية العامة الحديثة، واستمر خطابه 96 دقيقة، متجاوزاً المدة المعتادة التي يفترض أن تلتزم بها الوفود.

لم تكن المشكلة في طول الكلمة وحده، بل في الأسلوب غير التقليدي والخطاب المتشعب، حتى أصبحت طريقة إدارة الوقت والظهور على المنصة جزءاً أساسياً من قصة ذلك اليوم.

ما لا تراه الكاميرات.. قد يكون الأهم

هذه التفاصيل تشرح لماذا لا تكفي متابعة الخطابات الرسمية لفهم الجمعية العامة. فخلف كل كلمة مكتوبة، يوجد فريق من الدبلوماسيين والمساعدين والمترجمين والإعلاميين ورجال الأمن، وخلف كل صورة قصة قد تكون أطول بكثير من اللحظة التي التقطتها العدسة.

والأهم أن الجمعية العامة لا تنتج فقط بيانات ومواقف سياسية؛ إنها تنتج أيضاً صوراً ولقطات ولحظات إنسانية قد تصبح أحياناً أكثر شهرة من الخطب نفسها.

ففي القاعة، يتحدث القادة أمام العالم وفق النص والبروتوكول. أما خارج المنصة، فتتحرك الدبلوماسية في اتجاهات عدة، وتُعقد لقاءات سريعة، وتتغير المواقف، وتُراجع الخطابات، وتُتخذ قرارات لا تظهر كلها في البث الرسمي.

وربما هنا تكمن المفارقة الأجمل في اجتماعات الأمم المتحدة: الكاميرات تنقل ما يريد القادة أن يراه العالم، لكن الكواليس تكشف أحياناً ما لا تستطيع الخطب وحدها أن تقوله؛ تفاوضاً وانتظاراً وارتباكاً ومواقف محرجة، وأحياناً مجرد لحظة إنسانية صغيرة تكفي لأن تصبح خبراً عالمياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى