إفريقي ومغاربيالأخبارتقارير ودراسات

هل كان الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي محقاً حين مزق ميثاق الأمم المتحدة أمام الجمعية العامة؟

نقد سياسي لاذع، أم قرار متهور، أم طرفة سياسية أضحكت الشعوب وأحرجت القادة؟

نقد سياسي لاذع، أم قرار متهور، أم طرفة سياسية أضحكت الشعوب وأحرجت القادة؟

الصدى – خاص / تقرير تحليلي/

في 23 سبتمبر 2009، وقف الزعيم الليبي الراحل العقيد معمر القذافي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، لكنه لم يتعامل مع المنبر الأممي باعتباره مناسبة لإلقاء خطاب دبلوماسي تقليدي. فقد اختار أن يحوّل كلمته إلى مواجهة مباشرة مع بنية النظام الدولي، منتقداً مجلس الأمن، وحق النقض، وتركيبة المؤسسات الدولية التي رأى أنها لم تعد تعكس موازين العالم.

 

وبعد خطاب امتد لنحو 96 دقيقة، في تجاوز كبير للمدة المعتادة للمناقشة العامة، جاءت اللحظة الأكثر إثارة للجدل والضحك والغضب في آن واحد ، حين حمل القذافي نسخة من ميثاق الأمم المتحدة، وشرع في تمزيقها وإلقائها خلفه، في إشارة رمزية إلى رفضه لما اعتبره اختلالاً في النظام الدولي.

 

لم تكن الحركة منفصلة عن مضمون الخطاب؛ بل بدت امتداداً بصرياً لرسالة سياسية أراد صاحبها أن تصل إلى أبعد من الكلمات.

 

لماذا اختار القذافي ميثاق الأمم المتحدة تحديدا ؟

 

كان جوهر اعتراض القذافي مرتبطاً بمجلس الأمن، ولا سيما امتلاك الدول الخمس دائمة العضوية حق النقض، فقد رأى أن منح خمس دول سلطة تعطيل قرارات المنظمة يتعارض مع مبدأ المساواة بين الدول الأعضاء، وأن تركيبة المجلس تعكس ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية أكثر مما تعكس طبيعة العالم في القرن الحادي والعشرين.

 

ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الذي طرحه القذافي لم يكن جديداً تماماً؛ فإصلاح مجلس الأمن، وتوسيع تمثيله، وإعادة النظر في آليات اتخاذ القرار، ظلت قضايا مطروحة في النقاش الدولي منذ عقود.

 

لكن الجديد كان طريقة التعبير، فبدلاً من الاكتفاء بالنقد السياسي أو المطالبة بالإصلاح عبر القنوات الدبلوماسية، اختار القذافي تمزيق الوثيقة التي تمثل الإطار التأسيسي للمنظمة أمام الجمعية العامة، في مشهد يحمل شحنة رمزية عالية.

 

 

نقد للنظام.. من داخل النظام

 

المفارقة أن القذافي انتقد النظام الدولي من داخل أهم مؤسساته، فليبيا كانت عضواً في الأمم المتحدة، وكان قائدها يستخدم منبر الجمعية العامة لمخاطبة المجتمع الدولي، في وقت كانت طرابلس قد قطعت شوطاً في استعادة علاقاتها الدولية بعد سنوات من العقوبات والعزلة.

 

وفي سبتمبر 2003، رفع مجلس الأمن العقوبات المفروضة على ليبيا، في خطوة فتحت الباب أمام إعادة إدماجها في النظام الدولي.

 

ولهذا حمل خطاب 2009 مفارقة واضحة ، حين استخدم القذافي مؤسسات النظام الدولي نفسها للاحتجاج على قواعد ذلك النظام.

 

هل كان نقداً سياسياً بارعا ولاذعا أم قراراً متهوراً ؟

 

هنا تبدأ المسافة بين مضمون الرسالة وأسلوبها، فانتقاد اختلالات النظام الدولي أو المطالبة بإصلاح مجلس الأمن يمكن أن يكون موضوعاً سياسياً مشروعاً، وقد عبّرت دول كثيرة، وبدرجات مختلفة، عن اعتراضات على تركيبة المجلس وحق النقض.

 

لكن تحويل الموقف إلى فعل رمزي صادم أمام الجمعية العامة جعل الرسالة أكثر ارتباطاً بشخصية القذافي وأسلوبه السياسي من ارتباطها بالنقاش المؤسسي حول إصلاح الأمم المتحدة.

 

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن **الفكرة كانت قابلة للنقاش، أما الطريقة فكانت شديدة الصدامية.

 

وحين سبقت الصورةُ الفكرةَ

 

ربما كانت أكبر مفارقات ذلك اليوم أن الصورة غلبت مضمون الخطاب.

فبعد سنوات، لا يتذكر كثيرون تفاصيل المداخلات الطويلة التي قدمها القذافي، بقدر ما يتذكرون لحظة حمله الميثاق وتمزيقه.

 

وهنا تحولت الحركة من أداة لإيصال رسالة سياسية إلى صورة تختزل الرجل نفسه كزعيم يرفض قواعد اللعبة، ويختار المواجهة الرمزية مع المؤسسة التي يقف على منبرها.

 

بالنسبة إلى مؤيديه، كان المشهد تعبيراً جريئاً عن رفض هيمنة القوى الكبرى واحتكارها للقرار الدولي. وبالنسبة إلى منتقديه، كان خروجاً عن الأعراف الدبلوماسية وتحويلاً لقضية سياسية معقدة إلى استعراض رمزي شديد الصخب.

 

أما على مستوى الصورة العامة، فقد منح المشهد وسائل الإعلام مادة مثالية؛ لحظة قصيرة، واضحة بصرياً، وقابلة للاختزال في صورة واحدة.

 

بين الهيبة الدبلوماسية والسخرية السياسية

 

لهذا اختلفت ردود الفعل الشعبية والإعلامية على المشهد. فالبعض تعامل معه بوصفه موقفاً صادماً أضفى على خطاب القذافي بعداً درامياً، بينما رأى آخرون أن الطريقة التي اختار بها التعبير عن اعتراضاته جعلت القضية تبدو أقرب إلى مواجهة شخصية مع المؤسسة الدولية.

 

وهنا تبرز مفارقة مفادها أن المشهد الذي أراده القذافي احتجاجاً على النظام الدولي، تحول عند قطاعات واسعة من الجمهور إلى مشهد ساخر من السياسة الدولية نفسها.

 

فالقذافي أراد أن يقول إن الميثاق لا يعكس عدالة النظام الدولي، لكن الصورة التي بقيت هي صورة رجل يمزق الميثاق أمام العالم.

 

ماذا بقي بعد المشهد؟

 

لم يؤد خطاب القذافي إلى تعديل ميثاق الأمم المتحدة، ولم تتغير تركيبة مجلس الأمن نتيجة تلك المواجهة الرمزية. لكن القضية التي أثارها بقيت حاضرة وتطرح بقوة مدى عدالة توزيع القوة داخل النظام الدولي، وحدود حق النقض، وتمثيل الدول والمناطق في مجلس الأمن.

 

وبذلك يمكن فصل جوهر الاعتراض  عن وسيلة التعبير عنه، فالسؤال حول إصلاح النظام الدولي ظل مشروعاً ومطروحاً، أما تمزيق الميثاق أمام الجمعية العامة فكان خياراً سياسياً شديد الرمزية، اختار من خلاله القذافي أن يجعل من لحظة واحدة عنواناً لموقف كامل.

 

وربما لهذا بقي المشهد حياً حتى اليوم رغم موت القذافي نفسه لأنه جمع في دقائق قليلة بين نقد سياسي حقيقي، ومواجهة بروتوكولية، وحسابات رمزية، وصورة إعلامية طغت على مضمون خطاب طويل أنهك المترجم وجلب النوم العميق لبعض ضيوف القاعة.

 

 

وبين «نقد سياسي لاذع» و«قرار متهور» و«صورة سياسية أثارت السخرية والجدل»، ربما لا تكمن الحقيقة كاملة في أي وصف منفرد. فالمشهد كان احتجاجاً على اختلالات يختلف العالم حول كيفية إصلاحها، لكنه كان أيضاً اختياراً محسوباً لأسلوب صادم لم يغيّر النظام الذي انتقده.

 

وهكذا، بعد أكثر من عقد ونصف، لا تزال لحظة نيويورك حاضرة لأن القذافي نجح في أن يجعل من ورقة واحدة سؤالاً أكبر هو من يملك حق صياغة قواعد النظام الدولي، ومن يملك حق الاعتراض عليها؟ وربما كانت المفارقة الأبرز أن الرجل الذي أراد تمزيق رمز النظام الدولي، ترك وراءه صورة أصبحت هي نفسها واحدة من أكثر الصور رسوخاً في تاريخ ذلك النظام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى