إفريقي ومغاربيالأخبار

المغرب : الانتخابات التشريعية ترسم خريطة سياسية جديدة تجعل المغرب أمام مرحلة مفصلية قبل 2030

الأصالة والمعاصرة في الصدارة بـ97 مقعداً.. والعدالة والتنمية يعود بقوة إلى البرلمان

الصدى – الرباط – تقرير إخباري/

أفرزت الانتخابات التشريعية المغربية التي جرت أمس الأربعاء ( 23 سبتمبر 2026) خريطة سياسية جديدة، وضعت حزب الأصالة والمعاصرة في صدارة مجلس النواب بـ97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، وحزب الاستقلال بـ65، فيما سجل حزب العدالة والتنمية عودة لافتة إلى البرلمان بحصوله على 54 مقعداً، وفق النتائج الأولية التي أعلنتها وزارة الداخلية.

 

وتفتح هذه النتائج الباب أمام مرحلة سياسية جديدة، إذ لا يملك أي حزب منفرد الأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب المؤلف من 395 مقعداً، ما يجعل مشاورات تشكيل الحكومة والتحالفات البرلمانية أول اختبار سياسي للخريطة الجديدة.

 

وبموجب الدستور المغربي، يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، فيما تحتاج الحكومة إلى أغلبية برلمانية لا تقل عن 198 مقعداً. ومن ثم، فإن صدارة الأصالة والمعاصرة تمنحه موقعاً مركزياً في المشاورات المقبلة، لكن تركيبة الحكومة النهائية ستظل مرتبطة بطبيعة التحالفات التي ستتشكل خلال المرحلة القادمة.

 

عودة العدالة والتنمية.. وتحول في موازين القوى

 

ومن أبرز عناوين الانتخابات الجديدة الصعود الواضح لحزب العدالة والتنمية، الذي انتقل من 13 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 54 مقعداً حالياً، في مقابل تراجع التجمع الوطني للأحرار، الذي كان قد تصدر انتخابات 2021.

 

وتشير هذه الأرقام إلى أن الناخب المغربي أعاد توزيع جزء مهم من القوة البرلمانية بين الأحزاب، بما يفرض على مختلف القوى السياسية قراءة جديدة للرسائل التي حملتها صناديق الاقتراع.

 

غير أن المشهد لا يتوقف عند الحسابات الحزبية؛ فالمرحلة المقبلة ستضع الحكومة والبرلمان أمام اختبار أكثر ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطن، من التشغيل والقدرة الشرائية إلى التعليم والصحة والسكن وتقليص الفوارق المجالية.

 

انتخابات في إطار مؤسساتي وتعددية سياسية بحضور مكثف للمراقبين

 

جرت الانتخابات التشريعية المغربية في إطار قانوني ومؤسساتي شاركت فيه 28 تشكيلة سياسية، وقدمت أكثر من 7 آلاف مرشح للتنافس على 395 مقعداً.

 

كما شارك في مراقبة العملية الانتخابية 3006 مراقبين، بينهم 2023 يمثلون جمعيات المجتمع المدني، و783 من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إضافة إلى 200 مراقب أجنبي يمثلون منظمات وهيئات دولية وإقليمية. وأكدت وزارة الداخلية أن العملية جرت في ظروف عادية، باستثناء وقائع محدودة لم تؤثر، بحسب تقييمها، في المسار العام للاقتراع.

 

وتعكس هذه المعطيات جانباً من خصوصية التجربة الانتخابية المغربية القائمة على التعددية الحزبية، والتنافس على المؤسسات المنتخبة، وحضور آليات وطنية ودولية لمراقبة العملية.

 

وفي المقابل، حملت نسبة المشاركة، التي بلغت 38.08%، رسالة أخرى لا تقل أهمية؛ إذ تراجعت عن مستوى انتخابات 2021 الذي تجاوز 50%، ما يجعل تعزيز الثقة في المؤسسات وتشجيع المشاركة السياسية، خصوصاً بين الشباب، أحد التحديات التي ستواجه الطبقة السياسية خلال المرحلة المقبلة.

 

 التنمية.. الاختبار الحقيقي للحكومة المقبلة

 

وبعيداً عن الحسابات الانتخابية، تدخل الحكومة المغربية المقبلة مرحلة حافلة بالمشروعات والاستحقاقات الكبرى.

 

فالمغرب مقبل على استثمارات واسعة في البنية التحتية والصناعة والطاقة والنقل، بالتوازي مع التحضير لاستضافة كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال.

 

وتفرض هذه المرحلة على الحكومة المقبلة تحقيق التوازن بين تسريع الاستثمار وضمان انعكاسه على الاقتصاد الحقيقي، خصوصاً من خلال خلق فرص العمل، وتطوير المهارات، وتعزيز حضور المقاولات المغربية في سلاسل الإنتاج والاستثمار.

 

 

كما ستكون ملفات الماء والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وتقليص الفوارق بين المدن والمناطق الأقل استفادة من ثمار التنمية في مقدمة الاختبارات السياسية للحكومة الجديدة.

 

المغرب بعد 23 سبتمبر.. استمرارية مؤسساتية وتحول سياسي

 

وتكشف نتائج الانتخابات عن معادلة مزدوجة تجسدت في استمرارية المؤسسات والمسار الانتخابي، مقابل تحول في موازين القوى داخل الخريطة الحزبية.

 

فالتعددية السياسية، وتداول الصدارة بين الأحزاب، والمراقبة الانتخابية، والمشاركة في التنافس على المؤسسة التشريعية، كلها عناصر تؤكد استمرار المسار المؤسساتي المغربي، مع بقاء الحاجة إلى رفع مستوى المشاركة السياسية وتعزيز ثقة المواطن في العمل الحزبي.

 

والآن تنتقل الأنظار من صناديق الاقتراع إلى قصر المشاورات الحكومية، حيث ستحدد التحالفات المقبلة شكل السلطة التنفيذية وأولوياتها.

 

وبين السياسة والتنمية، تبدو المرحلة الجديدة أكثر ارتباطاً بما يمكن أن يتحقق على الأرض .. وظائف أكثر، خدمات أفضل، استثمارات أكثر إنتاجية، عدالة مجالية أوسع، وقدرة أكبر على مواجهة تحديات الماء والمناخ.

 

ويرى مراقبون أنه إذا كانت الانتخابات التشريعية الحالية قد أعادت رسم الخريطة السياسية في المغرب ، فإن السنوات المقبلة وحدها هي التي ستحدد ما إذا كانت هذه الخريطة ستتحول إلى برامج وسياسات قادرة على مواكبة طموح المغرب في أفق 2030 وما بعده.

 

ديمقراطية تتسع للاختلاف وتجمعها المصلحة الوطنية

وفي المحصلة، تكشف الانتخابات المغربية عن تجربة ديمقراطية راكمت، عبر الاستحقاقات المتتالية، قدراً من النضج والرسوخ المؤسسي، بما يعكس تطوراً في أداء النخبة السياسية وثقة المؤسسة الملكية في قدرة الأحزاب والمؤسسات المنتخبة على إدارة الاختلاف والتنافس السياسي. فمهما تعددت التوجهات الأيديولوجية والسياسية، وتباينت البرامج والحسابات الانتخابية، يبدو أن هناك مساحة جامعة تلتقي فيها مختلف مكونات المشهد السياسي حول المصالح العليا للمغرب و ثوابته  الوطنية؛ وهي معادلة تجعل من الاختلاف السياسي جزءاً من حيوية التجربة الديمقراطية، لا عاملاً ينتقص من تماسك الدولة واستقرارها

 

إعداد : قسم التقارير والتحقيقات 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى