الأمم المتحدة .. حين كان الموقف أقوى من تأشيرة آمريكا.. من المختار ولد داداه إلى محمود عباس !/ بقلم : محمد عبد الرحمن المجتبى

في السياسة الدولية، قد تبدو بعض المواقف صغيرة في شكلها، لكنها تكبر كثيراً في معناها ودلالاتها ، فقبل أكثر من نصف قرن من الزمن، رفض الرئيس الموريتاني المختار ولد داداه حضور مأدبة أقامها الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، بعدما رفض الأخير استقبال الرئيس الزامبي كينيث كاوندا، الذي كان يتولى آنذاك رئاسة منظمة الوحدة الأفريقية. كانت التشريفات الآمريكية قد جهزت للرئيس المختار مقعدا إلى جانب الرئيس الأميركي، ومع ذلك اختار الغياب، كما يروي في مذكراته، لأن “الشرف والكرامة لا يُقدّران بثمن”.
لم يكن ذلك الموقف مجرد مجاملة من الرئيس المختار لرئيس إفريقي، بل دفاعاً عن مكانة مؤسسة قارية تنتمي لها موريتانيا، وعن فكرة سيادية يقول فحواها أن العلاقات الدولية لا ينبغي أن تختزل في حسابات القوة والمقاعد الرسمية ونواميس المراسيم والتشريفات.
واليوم، تقف القضية الفلسطينية أمام سؤال مشابه، ولكن في ظرف أكثر تعقيداً، فها هو الرئيس الفلسطيني محمود عباس يمُنع من دخول الولايات المتحدة لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، للعام الثاني على التوالي، وردة الفعل الوحيدة التي تمكنت الهيئة الأممية من تسجيلها هي تمكينه من مخاطبة العالم عبر كلمة مسجلة من مكتبه في رام الله.
وهذه الواقعة الخادشة لكبرياء المنظمة الأممية ، وللعرب والمسلين تجعلنا أمام سؤالين إثنين أولهما هو :
أين التضامن العربي والإسلامي ؟
لماذا لا يستحضر القادة العرب والمسلمون شيئاً من روح موقف الرئيس المختار ولد داداه ؟، ويسجلوا موقفا ولو رمزيا ليشعروا الإدارة الامريكية والعالم بامتعاضهم من هذه الخطوة العدائية اتجاه الشعب الفلسطيني المحتل من طرف كيان غاصب يمارس في حقه أبشع جرائم الإنسانية ؟
ليس المطلوب بالضرورة مقاطعة اجتماعات الأمم المتحدة – وإن كان ذلك أقوى الأفعال- أو الدخول في مواجهة مع واشنطن، وإنما البحث عن موقف جماعي يبعث برسالة واضحة مفادها أن منع ممثل الشعب الفلسطيني من الوصول إلى المنصة الدولية فعل خطير وعدائي اتجاه الشعب الفلسطيني المحتل، ورسالة مستفزة لمشاعر العرب والمسلمين ،خاصة أن موقفا كهذا هو أبسط ما يمكن أن يقدم للشعب الفلسطيني في ظروفه الحالية التي تعربد فيها إسرائيل في الدم الفلسطيني بلا حسيب ولا رقيب.
فإذا كان المختار ولد داده ، رئيس دولة صغيرة تكابد آنذاك إكراهات بدايات الاستقلال وتأسيس الدولة، قد رأى أن التضامن مع رئيس منظمة الوحدة الأفريقية يستحق التخلي عن مقعد إلى جوار الرئيس الأميركي، فإن السؤال اليوم هو ما الذي تستطيع الدول العربية والإسلامية أن تفعله جماعياً كي لا يصبح حضور فلسطين في الأمم المتحدة رهناً بإرادة الدولة المضيفة؟
أما السؤال الثاني الأكثر إلحاحا فهو لماذا لا تتكرر المنظمة الأممية سابقة جنيف؟
فبالعودة إلى السجل التاريخي الأسود من ظلم الشعب الفلسطيني الأعزل ،نجد أن الأمم المتحدة لديها سابقة مماثلة حيث رفضت الولايات المتحدة في عام 1988 منح الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، تأشيرة لدخول الولايات المتحدة للمشاركة في أعمال الجمعية العامة ، وهو القرار الذي اعتبرته الجمعية العامة انتهاكاً لالتزامات الدولة المضيفة، فقررت في خطوة استثنائية، نقل مناقشة قضية فلسطين إلى جنيف حتى يتمكن الرئيس ياسر عرفات من إسماع الجمعية العامة والعالم صوت الشعب الفلسطيني المحتل والصامد.
يومها صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة تاريخية باجماع 154 دولة لصالح قرار نقل الاجتماعات لجنيف مقابل صوتين هما في الحقيقة صوت واحد : الولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها إسرائيل.
فهل كانت الأمم المتحدة آنذاك أكثر قدرة على الدفاع عن استقلال مؤسساتها وأعضائها مما هي عليه اليوم؟ أم أن موازين القوة الدولية أصبحت أكثر تأثيراً في هامش حرية القرار المتاح للمنظمة؟
هل آن أوان مراجعة «اتفاق المقر»؟
الواقع أن القضية اليوم تفتح نقاشاً أوسع من حالة محمود عباس وإن كانت وحدها تستدعي ذلك لكونه ممثلا شرعيا لشعب مضطهد من طرف الكيان الصهيوني على مرأى و مسمع من العالم ، من الهيئة الأممية التي لا تملك سوى التنديد والتضامن عن بعد ، و كان من أبسط مظاهر التضامن مع الشعب الفلسطيني أن تضمن له وصول صوته عبر ممثله الشرعي مباشرة من المنبر الأممي لا عبر كلمة مسجلة.
والسؤال الذي يجب أن يتغلغل اليوم في أروقة الهيئة الأممية في نيويورك هو ما إذا كان مقر الأمم المتحدة في دولة مضيفة، ينبغي أن يكون ورقة سياسية لدى تلك الدولة تصفي بها حساباتها السياسية مع هذه الدولة أو تلك ، في ظل عجز تام للمنظمة الأممية عن إقناع الدولة المضيفة بالسماح لضيفها بحضور اجتماعاتها السنوية.
خاصة أن اتفاقية المقر لعام 1947 تنص على تسهيل وصول ممثلي الدول والمدعوين إلى مقر المنظمة، وقد ذكرت الأمم المتحدة الولايات المتحدة بهذه الالتزامات في قضية عباس ، لكن واشطن تعللت باعتبارات الأمن والسياسة الخارجية.
ومن هنا يمكن أن يطرح العالم سؤالاً يستحق النقاش: هل تحتاج الأمم المتحدة إلى ضمانات أقوى لاستقلال مقرها، أو حتى إلى ترتيبات تضمن انعقاد اجتماعاتها في دولة محايدة عند تعذر وصول أحد المدعوين؟
ليست القضية الفلسطينية وحدها هي المعنية بهذا السؤال. فالمبدأ الذي يُرسم اليوم قد يصبح قاعدة تُختبر غداً في قضية أخرى أو ضد هذا الرئيس أو ذاك حسب مزاج الدبلوماسية الأمريكية.
وبين موقف المختار ولد داداه وسابقة جنيف وواقعة محمود عباس، تبدو المسألة في جوهرها أكبر من تأشيرة دخول للأراضي الآمريكية تملك الإدارة الامريكية كامل السيادة عليه من منطقها ، لكنها تطرح سؤالا يحتاج للتأمل والنقاش أكثر من الإجابة وهو هل تستطيع الأمم المتحدة أن تظل بيتاً دولياً مفتوحاً للجميع، أم أن مفتاح بابها سيظل في يد الدولة التي تستضيف مقرها؟




