الدورة الـ 81 للجمعية «الهامة» للأمم «المهترئة» / بقلم : نبيل نجم الدين

اعلامي مصري كاتب متخصص في العلاقات الدولية
بالتأكيد عنوان المقال ليس نتيجة أى خطأ مطبعى.. وبالتأكيد أيضًا العنوان برىء من أى محاولة للسخرية من الكيان الذى يشير إليه.. فهو تعبير ووصف حقيقى عن كيان تنفق عليه مئات الملايين وتتابعه كافة وسائل الإعلام منذ ثمانية عقود بلا أى فائدة.
فى الحقيقة وبكل أسف.. لم أجد أكثر صدقاً ولا أدق وصفاً من هذا العنوان للحديث عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ودوراتها السنوية التى بدأت فى عام 1945 ووصلت إلى الدورة الـ81 التى تُعقد هذا العام تحت شعار «استعادة الثقة وإدارة التحول.. أمم متحدة فى خدمة الجميع» فى الفترة الممتدة من 22 إلى 28 سبتمبر الجارى.
وما دفعنى لاختيار عنوان المقال وكتابة هذا المقال الأسئلة التالية:
· ما الذى حققته الدورات الحادية والثمانون لهذا الكيان الذى يحمل عنوان «الجمعية العامة للأمم المتحدة»؟؟.
· هل عُوقبت الدولُ التى تنتهك القانون الدولى وتحتل دولاً أخرى؟.
· هل تم عقاب الدول التى تنتهك ميثاق الأمم المتحدة؟.
· هل توقفت جرائم الحرب؟.
· ألم يحن الوقت بعد هذه السنوات الثمانين للتوقف برهة والتأمل فى جدوى هذه الآلية التى تتكون من 193 دولة من دول العالم؟؟.
· إلى متى يظل العالم يقتات ويدمن ممارسة الطقوس السنوية التى تُمارس فى مدينة نيويورك.. المقر الرسمى لمنظمة الأمم المتحدة؟.
· هذه الطقوس التى تتشابه بشكل أو بآخر مع طقوس الأمم الغابرة.. والأمم الضالة التى تتخذ من أصنام وأوثان خلقوها بأيديهم وبإراداتهم الضالة آلهة.. مرة من الحجارة.. ومرة ثانية من الحيوانات.. ومرة ثالثة من الأيديولوجيات البشرية التى ثبت فشلها على مر القرون الخمسة الماضية.. وهذه المرة آلهة من المنظمات الدولية والمنظمات الإقليمية التى تكاد تصل فى قدسية عدم المساس بها أصنام اللات والعزى.. وأصنام البقر.. وأصنام النار.. وغيرها من الأصنام التى اتخذوها آلهة يعبدونها.. ويقدسونها.. ويقدمون لها القرابين.. ولا يستطيعون تغييرها بلا أى تعقل أو تفكير أو تأمل فيما يجرى من عبث.. ولا أى تقدير للجدوى والفائدة من وراء عبادة والتمسك بكل هذه القرابين القديمة والجديدة..!!.
فإلى متى نظل أسرى نتابع ونسير وراء هذا العبث..؟.
ومتى يدرك التابعون أن هذه الأصنام لا فائدة منها..؟، وأنها لا تعدو كونها رموزاً ينطبق عليهم وعليها منطق التقليد الأعمى والتمسك بالموروثات والتقاليد الباطلة دون إعمال العقل أو البحث عن الحقيقة..؟.
قبل الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها، لِمَ لا نلقى نظرة على تاريخ وإنجازات وآليات هذه الجمعية المهمة للأمم المهترئة..!.
لقد تأسست الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1945 بموجب ميثاق الأمم المتحدة لتكون منبراً ديمقراطياً تتساوى فيه أصوات جميع الدول.. وتكون الآلية الرئيسية للنقاشات وصنع السياسات.. والتمثيل فى الأمم المتحدة، ويبلغ عدد أعضاء الجمعية العامة 193 عضواً، بالإضافة إلى دولتين مراقبتين لا يتمتعان بالعضوية الكاملة، وهما فلسطين والفاتيكان، وحتى لا نظلم ولا نتجنى.. وحتى نكون موضوعيين دعونا نستعرض كل ما هو موثق وتعتبره الجمعية العامة للأمم المتحدة إنجازات.. ودعونا أيضاً نعطى حقائق الواقع الدولى الفرصة لترد على كل ما يعدونه إنجازات..:
أولاً: الإعلان العالمى لحقوق الإنسان:
وهو الذى اعتُمد فى ديسمبر 1948، والذى يتكون من 30 مادة ويعتبر الإنجاز التاريخى الأبرز للجمعية، حيث وضع أول معيار عالمى لحقوق الإنسان الأساسية، ويحدِّد الإعلان الحقوق والحريات الأساسية التى يتمتع بها جميع بنى البشر بغضِّ النظر عن الجنس أو الوضع الاجتماعى أو مكان الميلاد وهى:
· الكرامة
· الحرية
· المساواة
· الحق فى الحياة
· التحرر من العبودية
· حرية التعبير
· وغيرها الكثير من الحقوق والحريات.
حسناً.. لكن ماذا عن واقع حقوق الإنسان حول العالم بعد 80 عاماً؟؟.
الحقيقة أن واقع حقوق الإنسان حول العالم بعد مرور نحو 78 عاماً على صدور الإعلان العالمى لحقوق الإنسان يشهد فجوة واسعة بين النصوص النظرية والاتفاقيات والمعاهدات التى انبثقت عن الإعلان والممارسات الفعلية على الأرض. فلم تمنع تلك الاتفاقيات والمعاهدات الانتهاكات الصارخة للقانون الدولى الإنسانى بحق المدنيين فى فلسطين المحتلة.. وفى أوكرانيا.. وفى السودان وفى اليمن ومناطق أخرى فى آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرها!!، وهذه الانتهاكات لحقوق الإنسان ليست شأناً تختصُّ به دولة أو جمعية مهمة أو مجلس أمن مشلول.. بل هو شأننا جميعاً.. فالحقوق المدنية والحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا يمكن تقسيمها إلى حالات مختلفة.. فهى وحدة واحدة وكيان واحد وهَمّ واحد، لكن يبدو أنَّ مفهوم «العالمية» هو بالتحديد ما يثير انزعاج الدول الأعضاء فى مجلس حقوق الإنسان، فمعظم الحكومات الوطنية تناهض ما تعتبره تدخلاً من الغير فى شؤونها الخاصة.
والواقع الدولى لحقوق الإنسان حول العالم يؤكد أن التخاذل الصارخ فى الإرادة السياسية الدولية لتطبيق هذه المبادئ وحماية الضعفاء أدى إلى تحويل الإعلان العالمى لحقوق الإنسان كما يقول المثل المصرى الصادق إلى مجرد «حبر على ورق».
ثانياً: اتفاقية منع الإبادة الجماعية 1948
جريمة الإبادة الجماعية ارتكبت منذ فجر تاريخ البشرية عبر الزمان، واستمر الأمر على ذلك الحال حتى أبرمت اتفاقية 1948 لمنع جريمة الإبادة الجماعية، والتى جاءت نتاجا للمآسى الفظيعة التى عرفها العالم إبان الحرب العالمية الثانية، فوصفت الاتفاقية وحددت تعريفا لجريمة الإبادة الجماعية ووضعتها لأول مرة فى إطارها القانونى، وأسندت مهمة التصدى لها إلى القضاء الدولى متمثلا فى محكمة العدل الدولية.
لكن منذ عام 1960، شهد التاريخ المعاصر وقوع العديد من جرائم الإبادة الجماعية Genocide والتطهير العرقى، مدفوعة بنزاعات أيديولوجية، أو عرقية، أو استعمارية. وعلى الرغم من توقيع اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها ودخولها حيز التنفيذ عام 1951، فإن منظمة الأمم المتحدة وآلياتها المختلفة من الجمعية المهمة للأمم المهترئة إلى مجلس الأمن الخماسى والمجتمع الدولى فشلت جميعاً فى وقف ومنع تكرار هذه الفظائع..
ومن أبرز جرائم الإبادة الجماعية المعترف بها دولياً بعد نهاية الحرب العالمية الثانية:
· ضحايا ثورة زنجبار فى عام 1964 والتى تصدى لها نظام الاتحاد السوفيتى المنحل بعمليات قتل جماعى وطرد استهدفت الأقلية العربية والآسيوية.
· المجازر الجماعية فى إندونيسيا بين عامى 1965- 1966 حين قاد الجنرال سوهارتو حملة تصفية واسعة استهدفت الشيوعيين، واليساريين، والأقلية العرقية الصينية، وراح ضحيتها نحو مليون شخص.
· حرب الإبادة فى منطقة بيافرا فى نيجيريا 1967- 1970 خلال الحرب الأهلية النيجيرية، والتى أدت إلى قتل أكثر من مليون شخص.
· الإبادة الجماعية فى بنجلاديش 1971 حين نفّذ الجيش الباكستانى عملية عسكرية عُرفت باسم «البحث عن الضوء» استهدفت الحركة القومية والمدنيين والمثقفين البنغاليين، وتشير التقديرات إلى مقتل ما بين 300 ألف و2 مليون شخص.
· الإبادة الجماعية فى كمبوديا 1975- 1979 حين قام نظام «الخمير الحمر» بقيادة بول بوت بعملية هندسة اجتماعية متطرفة أدت إلى مقتل قرابة 2 مليون شخص، نحو ربع السكان، نتيجة الإعدامات، والعمل القسرى، والمجاعات.
· حملة الأنفال ضد الأكراد فى العراق 1986- 1989 حين نفّذ نظام صدام حسين حملة عسكرية ممنهجة استخدم فيها الأسلحة الكيميائية
«مثل مجزرة حلبجة» ضد الأكراد فى شمال العراق، ما أسفر عن مقتل ما بين 50 ألفا و180 ألف مدنى.
· الإبادة الجماعية فى جواتيمالا 1981- 1983 والتى عُرفت باسم «المحرقة الصامتة»، حيث استهدف الجيش الجواتيمالى بشكل ممنهج قرى قبائل المايا الأصلية بدعوى دعمهم للمتمردين اليساريين، وقُتل ما يزيد عن 200 ألف شخص.
· الإبادة الجماعية فى رواندا عام 1994 حين شنت ميليشيات الهوتو المتطرفة حملة إبادة جماعية منظمة ضد عرقية التوتسى والمعتدلين من الحوتو، وراح ضحيتها حوالى 800 ألف إلى مليون شخص فى واحدة من أسرع المجازر التاريخية.
· الإبادة الجماعية فى سريبرينيتسا فى البوسنة والهرسك عام 1995 خلال حرب البوسنة، حين قامت القوات الصربية بقيادة راتكو ملاديتش باجتياح بلدة سريبرينيتسا التى كانت تصنفها الأمم المتحدة منطقة آمنة وقامت بمذبحة مُمنهجة أدت إلى مقتل أكثر من 8 آلاف من الرجال والفتيان البوسنيين المسلمين.
· الإبادة الجماعية فى دارفور غرب السودان 2003- 2005 حين شنّت الحكومة السودانية وميليشيات «الجنجويد» حملة تدمير وقتل استهدفت المجموعات العرقية غير العربية فى الإقليم. خلّفت الحملة حوالى 300 ألف قتيل وتشريد الملايين، وصدرت بسببها مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس السودانى المعزول آنذاك، عمر البشير، بتهمة الإبادة الجماعية.
· إبادة الإيزيديين على يد تنظيم داعش 2014 نفّذ تنظيم الدولة الإسلامية داعش حملة تصفية، واستعباد جنسى، وتهجير قسرى ضد الأقلية الإيزيدية فى قضاء سنجار بالعراق.
· إبادة الروهينجا فى ميانمار عام 2016- 2017 حين قام الجيش البورمى بعمليات تطهير وحشية شملت حرق القرى والقتل والاغتصاب الجماعى ضد مسلمى الروهينجا، ما دفع بنحو 740 ألف شخص للفرار إلى بنجلاديش.
· قمع الأقليات فى شينج يانج فى الصين 2014 حيث تواجه الصين اتهامات دولية بارتكاب إبادة جماعية ثقافية ضد مسلمى الأويجور من خلال الاحتجاز الجماعى، والتعقيم القسرى، ومحو الهوية الدينية.
· وأخيراً وليس آخراً على ما يبدو الإبادة الجماعية التى ارتكبها رئيس وزراء إسرائيل المطلوب القبض عليه من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب فى غزة فى أعقاب الحرب التصعيدية فى 2023، حيث رفعت دولة جنوب إفريقيا قضية أمام المحكمة الدولية تتهم فيها إسرائيل بانتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية نتيجة القصف الشامل والممنهج، والحصار، والتجويع المدفوع بتصريحات علنية لمسؤولين إسرائيليين تحمل نوايا إبادة جماعية.
ولعلاج هذا الشلل الذى يصيب منظومة الأمم المتحدة وآلياتها، الجمعية العامة ومجلس الأمن الدولى، أعيد التذكير بمقترح كتبته فى صحيفة المصرى اليوم الغراء، منذ ما يقرب من عامين، بعنوان: الإصلاح الهيكلى لمجلس الأمن الدولى ضرورة وحتمية دولية، وهو يتضمن إصلاحاً للجمعية العامة أيضاً على النحو التالى:
• تغيير عضوية مجلس الأمن تغييرا نوعياً لتصبح العضوية فى مجلس الأمن الدولى عضوية دائمة.
• يضاف إلى الأعضاء الخمسة الكبار الحاليين الدائمين، أمريكا وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، المقاعد الدائمة التالية:
• مقعد دائم للاتحاد الأفريقى: عدد السكان مليار و480 مليون نسمة
• مقعد دائم لآسيا: عدد السكان 4 مليارات و810 ملايين نسمة
• مقعد دائم للاتحاد الأوروبى: عدد السكان 720 مليون نسمة
• مقعد دائم لأمريكا الجنوبية: عدد السكان 437 مليون نسمة
• مقعد دائم لرابطة العالم الإسلامى عدد السكان 2 مليار نسمة
• مقعد دائم للأمين العام للأمم المتحدة بهيئته وليس بشخصه.
• يتم التصويت على مشروعات القرارات المقدمة من أى عضو من أعضاء المجلس الدائمين الـ 15.
• يتم إلغاء حق النقض VETO.
• قرارات مجلس الأمن الدولى تصدر بالأغلبية، والتى هى (نصف الأعضاء +1).
وتستطيع مصر بفضل تاريخها الدبلوماسى.. ووزنها الجيوسياسى.. وعلاقاتها الدولية الناضجة.. والمصداقية التى تتمتع بها مع أغلبية دول العالم.. طرح المقترح ومناقشته مع دول الجنوب فى آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ومع عقلاء الدول الكبرى ثم طرحه فى الجمعية العامة ومجلس الأمن كمشروع لتغيير ميثاق الأمم المتحدة وتحديث قانون مجلس الأمن الدولى..
وأخذا فى الاعتبار «ما يمر به العالم من حالة استثنائية من عدم الاستقرار»، فإن مشروع الاقتراح سيحصل على تأييد ما لا يقل عن 100 دولة من الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة والدليل على هذا التوقع انسحاب 77 دولة مع دخول مجرم الحرب نتنياهو القاعة قبل إلقاء كلمته، وهكذا تكون مصر قد فتحت الباب واسعا لمناقشة تأسيس نظام عالمى جديد يتحرر من السيطرة ومن حق النقض VETO الذى يتمتع به الخمسة الكبار الذين استمرأوا اختطاف النظام العالمى منذ عام 1945.
المصدر : الكاتب + المصري اليوم




