محمد المصطفى ولد بدر الدين.. حين يكون الوفاء للمبدأ موقفًا /احمد محمد حماده
في ذكرى رحيل محمد المصطفى ولد بدر الدين، لا تستعيد موريتانيا اليوم سيرة رجل سياسي فحسب، وإنما تستعيد نموذجًا من أولئك الذين اختاروا أن يعيشوا أفكارهم حتى النهاية، وأن يدفعوا ثمن مواقفهم دون أن يبحثوا كثيرًا عن الطرق السهلة أو المخارج المريحة.
قد نختلف معه في كثير من القضايا الفكرية والسياسية، وقد لا نتفق مع بعض مواقفه أو قراءاته للأحداث والتحولات التي عرفتها البلاد والمنطقة، لكن الاختلاف مع الرجل لا يلغي حقيقة أخرى أكثر إنصافًا: كان وفيًا لما آمن به، وصادقًا في نضاله، ولم يكن من أولئك الذين يبدلون مواقفهم كلما تغيرت موازين القوة أو تبدلت مواقع النفوذ.
كانت السياسة بالنسبة إليه أكثر من مجرد طريق إلى موقع أو امتياز. كانت، في جانب كبير منها، تعبيرًا عن قناعة فكرية عاش من أجلها، ودافع عنها بما امتلك من قوة الحجة وصلابة الموقف. ولهذا بقي اسمه حاضرًا في الذاكرة السياسية الموريتانية، لا باعتباره رجلًا اتفق معه الجميع، وإنما باعتباره رجلًا ظل مختلفًا دون أن يتخلى عن هويته السياسية والفكرية.
ولعل قيمة الرجال لا تُقاس دائمًا بمدى اتفاقنا معهم، بل بمدى صدقهم مع أنفسهم ومع ما يؤمنون به. فالسياسة، في صورتها الأكثر نبلاً، ليست أن تكون دائمًا على صواب في نظر الآخرين، وإنما أن تمتلك شجاعة الموقف، وأن تتحمل تبعاته، وأن تظل قادرًا على النظر في المرآة دون أن تخجل من تاريخك.
لقد عاش ولد بدر الدين في مرحلة سياسية كانت فيها المواقف المعارضة للنظام القائم كثيرًا ما تحمل أثمانًا شخصية وسياسية، ومع ذلك اختار أن يبقى في صفه الذي اعتقد أنه الصف الصحيح. وقد يكون المرء مخطئًا في بعض تقديراته، أو متجاوزًا في بعض مواقفه، لكن ذلك لا ينتقص بالضرورة من صدقه إذا كان قد دفع من حياته وراحته واعتباره الشخصي ثمنًا لما آمن به.
وفي زمن أصبحت فيه المواقف قابلة للتبديل بسرعة، وأصبحت فيه بعض الضمائر تُقاس أحيانًا بحجم المقابل الذي تحصل عليه، تبدو سيرة رجل مثل ولد بدر الدين أكثر إثارة للتأمل. ليس لأننا مطالبون بأن نتبنى أفكاره، ولا لأن التاريخ يمنح السياسيين حصانة من النقد، وإنما لأن الوفاء للمبدأ أصبح في حد ذاته قيمة تستحق التقدير.
لقد كان بإمكانه، مثل كثيرين، أن يختار طريقًا أكثر سهولة، وأن يخفف من حدة مواقفه، وأن يعيد ترتيب قناعاته بما يتناسب مع اللحظة السياسية. لكنه ظل، حتى آخر لحظة من حياته، متمسكًا بما اعتقد أنه صواب. وهذه، في النهاية، واحدة من أكثر الصفات ندرة في الحياة السياسية: أن يظل الإنسان وفيًا لفكرته عندما لا يكون الوفاء بها هو الطريق الأقصر إلى المكاسب.
رحل محمد المصطفى ولد بدر الدين، لكن النقاش حول تجربته سيبقى جزءًا من النقاش حول تاريخ موريتانيا السياسي الحديث. سيختلف الناس في تقييم إرثه، كما اختلفوا في حياته حول أفكاره ومواقفه، وهذا أمر طبيعي في مجتمع سياسي حي. لكن من الإنصاف أن نترك جانبًا، ولو في ذكرى الرحيل، لغة الخصومة السياسية، وأن ننظر إلى الرجل من زاوية إنسانية أوسع.
رحم الله محمد المصطفى ولد بدر الدين. اختلفنا معه في الأفكار، وربما اختلفنا معه في قراءة كثير من الأحداث، لكننا لا نختلف على أن رجلًا عاش ومات وفيًا لما آمن به يستحق أن يُذكر بالاحترام.
وفي زمن تُشترى فيه بعض المواقف بثمن بخس، وتُبدّل فيه بعض القناعات بمجرد تغير اتجاه الريح، يبقى الوفاء للمبدأ فضيلة نادرة، ويبقى الصدق مع الذات أحد أصدق ما يمكن أن يتركه الإنسان وراءه.
رحم الله الرجل الذي اختلفنا معه في الفكر، لكننا لا نستطيع أن نختلف حول صدقه في ما آمن به، ووفائه لما اختاره طريقًا حتى النهاية.




