أي حكومة ننتظر ؟ حكومة سياسية تفرض “استمرار النهج” ؟ أم حكومة تكنوقراط للاقلاع التنموي ؟

لم تكن ألسنة اللهب التي التهمت محطتي الطاقة في نواكشوط مجرد حادث فني خلّف خسائر مادية و ولد أسئلة ظلت معلّقة حول الصيانة والرقابة والمسؤولية؛ بل كانت بمثابة شرارة سياسية قد تمتد تداعياتها إلى بنية الجهاز التنفيذي، وتعيد فتح ملف الحكامة والمساءلة، وتضع الحكومة المقبلة أمام اختبار يتجاوز تدبير المرافق العامة إلى إدارة مرحلة سياسية تبدو مقبلة على استحقاقات سياسية ثقيلة.
وإذا كان بعض المراقين يرى أن مضامين تقرير لجنة التحقيق وتوصياتها، وما أثارته من نقاش بشأن المسؤوليات و مآلات الضالعين في الملف، قد أسهمت في إسقاط حكومة المختار ولد اجاي، فإن الرهان اليوم لا ينبغي أن ينحصر في تغيير الأسماء أو إعادة توزيع الحقائب وفق المحاصصات السياسية والقبلية المألوفة بل في استخلاص الدروس، وترجمة مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة إلى إجراءات واضحة، وإعادة بناء الثقة في قدرة مؤسسات الدولة على حماية المال العام وضمان استمرارية الخدمات الأساسية.
فلا معنى لتقرير تحقيق ينتهي أثره عند تغيير حكومي، ولا جدوى من إقالة مسؤولين أو استبدالهم بآخرين إذا ظلت أسباب الاختلال قائمة، وبقيت نتائج التحقيق وتوصياته حبيسة التداول السياسي والإعلامي.
المطلوب هو وضوح مؤسسي بشأن ما ثبت من وقائع، وما ترتب عليها من قرارات، وما ينبغي اتخاذه من تدابير لمنع تكرار الحوادث، مع احترام المساطر القانونية وقرينة البراءة وعدم الخلط بين المسؤولية السياسية والإدانة القضائية.
لكن المعضلة التي تواجه صانع القرار اليوم أوسع من تداعيات محطتي الطاقة؛ فنحن أمام لحظتين سياسيتين متداخلتين، لكل واحدة منهما ضروراتها ومتطلباتها، وقد يبدو الجمع بينهما مهمة شاقة، لكنه يظل شرطًا لنجاح المرحلة المقبلة.
لحظة أولى، تنموية واقتصادية واجتماعية، تفرضها تحديات الكهرباء والطاقة، وضغوط المعيشة، وهشاشة قطاعات واسعة من المجتمع، والحاجة إلى تسريع المشاريع وتحسين الخدمات. وهذه اللحظة تستدعي حكومة تكنوقراط، أو على الأقل فريقًا حكوميًا يغلب عليه منطق الكفاءة والإنجاز، ويمنح الأولوية للتنمية والإنتاج، وترشيد الإنفاق، وإصلاح الإدارة، وتخفيف الأعباء عن المواطنين. حكومة تقاس نتائجها بما تنجزه على الأرض، لا بما تصدره من بيانات،و تصريحات موجهة للاستهلاك السياسي ، وبما تحققه من تحسن ملموس في حياة الناس، لا بعدد الاجتماعات والوعود.
ولعل ملف محطتي الطاقة يقدم الدرس الأوضح في هذا السياق: فالتنمية ليست مشاريع تُعلن فحسب، بل منظومة متكاملة من التخطيط والتنفيذ والصيانة والرقابة والمساءلة. وأي خلل في إحدى حلقاتها قد يحوّل الاستثمار إلى عبء، والخدمة الأساسية إلى مصدر للقلق، والإنجاز المعلن إلى أزمة سياسية.
أما اللحظة الثانية، فهي لحظة سياسية بامتياز، تتصل بمستقبل الحكم وشعار «استمرار النهج»، الذي عبّر عنه حزب الإنصاف الحاكم مؤخرًا بلغة أكثر مباشرة، حين تحدث عن عودة بعثاته إلى الداخل بمطلب شعبي يدعو إلى استمرار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في حكم البلاد،(رغم الموانع الدستورية) مع الإشارة إلى أن القرار في هذا الشأن “سيتخذ في الوقت المناسب.“
وبصرف النظر عن الموقف من هذا الطرح، فإن دلالته السياسية لا يمكن تجاهلها؛ إذ يضع مسألة الاستمرارية في قلب النقاش العام، ويربطها، بصورة أو بأخرى، بمسار الحوار السياسي المرتقب، الذي يرفض الحزب الحاكم أن تُفرض عليه “محظورات” مسبقة.
وهنا تبدأ الأسئلة الأكثر حساسية: كيف ستدار الخلافات؟ وما حدود التوافق الممكن؟ وكيف يمكن تحويل الحوار من ساحة لتبادل المواقف إلى مسار ينتج تفاهمات قابلة للحياة، وتحفظ استقرار البلاد وتضمن احترام قواعدها الدستورية؟
إن الجمع بين هاتين اللحظتين يفرض معادلة دقيقة، تفرز حكومة مطالبة بتحقيق نتائج تنموية عاجلة، وأخرى مطالبة بامتلاك القدرة السياسية على إدارة الحوار والاستحقاقات المقبلة، والتفاعل مع الموالاة والمعارضة ومختلف الفاعلين، دون أن تتحول الإدارة اليومية للدولة إلى رهينة للتجاذبات.
ومن هنا، لا يكفي أن تكون الحكومة الجديدة حكومة خبراء، مهما بلغت كفاءتهم، إذا افتقرت إلى الحس السياسي والقدرة على التواصل وبناء التوافقات. كما لا يكفي أن تكون حكومة سياسية واسعة الخبرة في إدارة التوازنات، إذا عجزت عن معالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، أو استمرت في التعامل مع الأزمات بمنطق رد الفعل بدل الوقاية والاستباق.
المطلوب، إذن، حكومة تجمع الكفاءة بالتجربة السياسية، والقدرة على الإنجاز بامتلاك رؤية واضحة لمستقبل المرحلة. حكومة تتجدد فيها الوجوه حين تقتضي المصلحة ذلك، وتُسند فيها المسؤوليات على أساس الجدارة والنزاهة والقدرة على التنفيذ، لا لمجرد إرضاء التوازنات أو إعادة تدوير المواقع. والأهم أن تكون لها أولويات معلنة، ومؤشرات قابلة للقياس، مع استعداد حقيقي للمساءلة.
وفي خضم التكهنات بشأن الشخصية التي ستقود الحكومة المقبلة، والأسماء التي ستتولى الحقائب الوزارية، ينبغي ألا يحجب سؤالُ «من سيأتي؟» السؤالَ الأهم: «ماذا ينبغي أن تفعل الحكومة الجديدة، وكيف ستفعل ذلك؟».
فموريتانيا لا تحتاج إلى تغيير الوجوه من أجل التغيير، بل إلى فريق يدرك أن شرعية الأداء تُبنى بالإنجاز والشفافية والعدالة الاجتماعية، وأن إدارة المرحلة السياسية تتطلب الإنصات والتفاوض والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
إن الشتاء السياسي المقبل قد يكون ساخنًا بما يحمله من حوار وتنافس وأسئلة حول استمرار النهج ومستقبل الحكم. ولن يكون عبوره مضمونًا بالشعارات وحدها، ولا بتوسيع قاعدة الموالاة ، بل بقدرة الدولة على إثبات أن الاستقرار ليس نقيضًا للمساءلة، وأن الاستمرارية لا تعني الجمود، وأن الإصلاح لا يكتمل بتغيير الحكومة ما لم يتغير أداء الحكومة.
من هنا، فإن الاختبار الحقيقي للفريق الحكومي الجديد لن يبدأ يوم إعلان تشكيلته، بل منذ اللحظة التي يقرر فيها ما إذا كان سيكتفي بإطفاء الحرائق السياسية والإدارية، أم سيعالج أسباب اشتعالها. فبين رماد محطتي الطاقة واستحقاقات الحوار السياسي، تتحدد ملامح المرحلة: إما حكومة تساير اللحظة وتستوعب رهاناتها، أو حكومة تجد نفسها، مرة أخرى، في مواجهة أزمات كان يمكن تفاديها لو تقدمت الوقاية والمحاسبة والكفاءة على حسابات اللحظة.



