مقالات و تحليلات

قراءة في شهادة الشرفاء حول الدور المحوري للشيخ زايد في حرب أكتوبر.. حين تحوّل التضامن العربي إلى موقف تاريخي

معالي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي/ كاتب ومفكر إسلامي ، مدير ديوان سابق للرئيس الاماراتي الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان

من دعم القوات الجوية المصرية إلى سلاح النفط.. قراءة في شهادة تستعيد جانباً من ذاكرة التضامن العربي

الصدى – قراءة تحليلية

بقلم : محمد عبد الرحمن

 

ليست كل الشهادات التاريخية مجرد استعادة لوقائع مضت؛ فبعضها يعيد إضاءة صفحات من التاريخ العربي، ويكشف كيف تتحول المواقف السياسية إلى أفعال تتجاوز حدود التصريحات والمجاملات الدبلوماسية. ومن هذا المنظور، تكتسب شهادة المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي بشأن دور الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في دعم مصر خلال حرب أكتوبر 1973 أهمية خاصة، لأنها تستند إلى رواية رجل يقول إنه عايش تلك المرحلة عن قرب، وكان مديراً لديوان الرئاسة الإماراتية في عهد الشيخ زايد.

شاهد من داخل ديوان الرئاسة

في مقاله المنشور على صحيفة «الصدى»، يستعيد الشرفاء الحمادي لقاءً جمع الرئيس المصري الراحل أنور السادات بالشيخ زايد عقب حرب أكتوبر، وينقل عن مؤسس دولة الإمارات تقديره لحجم الدعم العسكري الأميركي الذي تلقته إسرائيل آنذاك، ولا سيما الجسر الجوي الذي أتاح نقل الأسلحة والمعدات إلى القوات الإسرائيلية.

وتكمن قيمة هذه الرواية في أنها لا تتناول التضامن العربي باعتباره شعاراً سياسياً عاماً، بل تستحضر، من داخل محيط القرار، الطريقة التي فهم بها الشيخ زايد طبيعة المواجهة، ومدى ارتباطها بتوازنات إقليمية ودولية أوسع.

كما يورد الشرفاء شهادة بشأن دعم مالي إماراتي للقوات الجوية المصرية، ويقول إن الشيخ زايد لجأ إلى الاقتراض من بنك بريطاني لتوفير أكثر من 25 مليون جنيه إسترليني دعماً لاحتياجاتها، خصوصاً قطع غيار الطائرات. وينقل عن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، الذي كان يقود القوات الجوية المصرية خلال الحرب، تعبيره عن امتنانه لذلك الدعم.

وتنسجم الدلالة العامة لهذه الرواية مع ما تورده المصادر الإماراتية الرسمية عن مساندة الشيخ زايد لمصر وسوريا خلال حرب أكتوبر، بما في ذلك الدعم المالي والمشاركة في قرار حظر إمدادات النفط عن الدول الداعمة لإسرائيل.

«النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي»

تبلغ الشهادة إحدى أبرز محطاتها عند استعادة موقف الشيخ زايد من استخدام النفط أداةً للضغط السياسي. وينقل الشرفاء الحمادي تفاصيل اتصال أجراه الشيخ زايد بوزير البترول الإماراتي آنذاك مانع العتيبة، في سياق التحركات العربية المرتبطة بقرار خفض إمدادات النفط وفرض الحظر على دول داعمة لإسرائيل.

وتظل عبارة «النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي»، المنسوبة إلى الشيخ زايد، من أكثر العبارات اختصاراً لفلسفته في التضامن العربي؛ إذ تعبر عن تصور يعتبر الموارد الاقتصادية وسيلة لحماية المصالح والحقوق، لا غاية منفصلة عن المسؤولية السياسية والأخلاقية.

وقد وثقت مصادر إماراتية رسمية دعم الشيخ زايد للحظر النفطي العربي خلال حرب 1973، فيما تشير السجلات التاريخية الأميركية إلى أن الحظر أعقب الجسر الجوي الأميركي لإمداد إسرائيل، وأسهم في إحداث اضطراب اقتصادي دولي ودفع واشنطن إلى إعادة تقييم سياستها في الشرق الأوسط.

قيمة الشهادة وحدود التوثيق التاريخي

غير أن الإنصاف التاريخي يقتضي التمييز بين أهمية الموقف الإماراتي وبين بعض التفاصيل الواردة في الشهادة. فقرار مجلس الأمن رقم 242 صدر في نوفمبر 1967، أي قبل حرب أكتوبر بست سنوات، ولذلك لا يصح ربط صدوره مباشرة بالحظر النفطي. أما القرار 338، الذي دعا إلى وقف إطلاق النار خلال حرب أكتوبر وبدء تنفيذ القرار 242، فقد صدر في 22 أكتوبر 1973.

ولا يقلل هذا التدقيق من قيمة الرواية الأساسية؛ بل يعزز ضرورتها، لأن الشهادات الشخصية تكتسب قوتها حين تُقرأ إلى جانب الوثائق والسجلات التاريخية، بما يسمح بفهم المواقف في سياقها الصحيح.

زايد.. إرث يتجاوز المساعدات

إن أبرز ما تمنحه شهادة الشرفاء الحمادي للذاكرة العربية هو إبراز البعد الإنساني والسياسي في موقف الشيخ زايد: التضامن مع مصر لم يكن، وفق الرواية، مجرد تأييد لفظي، بل شمل تحركات مالية واقتصادية ودبلوماسية في مرحلة شديدة الحساسية.

كما تذكّر الشهادة بأن حرب أكتوبر لم تكن مواجهة عسكرية فحسب، بل اختباراً لقدرة الدول العربية على تنسيق مواقفها وتوظيف ما تمتلكه من موارد وأدوات للتأثير في موازين القوى.

ومن هنا، فإن الإشادة بشهادة الشرفاء الحمادي لا تعني الاكتفاء باستحضار الماضي أو تحويله إلى رواية احتفالية؛ بل تعني تثمين شهادة شاهد من داخل مؤسسات القرار، ومقارنتها بالمصادر التاريخية، وإبراز ما تحمله من دلالات عن معنى المسؤولية العربية المشتركة.

لقد كان الجيش المصري في ميدان القتال، وكانت معه أدوار عربية متعددة في الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري. وفي هذا السياق، تضيء شهادة الشرفاء الحمادي جانباً من إسهام الشيخ زايد، وتعيد التذكير بأن التضامن العربي حين يقترن بالمبادرة والشجاعة يمكن أن يتحول من موقف معلن إلى أثر حاضر في التاريخ.

وتلك هي القيمة الأعمق للشهادة: أنها لا تستعيد موقفاً من الماضي فحسب، بل تطرح على الحاضر سؤالاً دائماً عن معنى الوفاء، والتكامل العربي، وتسخير الإمكانات الوطنية في لحظات الاختبار الكبرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى