ملك المغرب محمد السادس يرسم أولويات المرحلة الجديدة.. استراتيجيات كبرى للاقتصاد المغربي وتحذير من تعثر اللامركزية
منذ 55 دقيقة
40
ملك المغرب محمد السادس
العاهل المغربي يدعو إلى تسريع نقل الصلاحيات والموارد إلى الجهات، ويؤكد أن الشراكات الدولية «اختيار سيادي» ويعلن إعداد رؤية جديدة للتعاون في ملف الهجرة
الرباط – الصدى
حدد العاهل المغربي الملك محمد السادس، في خطابه أمام مجلسي البرلمان، أمس الجمعة، ملامح أولويات المرحلة التشريعية والحكومية الجديدة، داعياً إلى إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والتصنيع والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع تسريع اللامركزية الإدارية، وتعزيز دور القطاع الخاص، ووضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية.
وجاء الخطاب، الذي ألقاه بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، عقب الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب في 23 سبتمبر الماضي، ليضع أمام المؤسسات المنتخبة والحكومة المقبلة حزمة من الأولويات الاقتصادية والإدارية والدبلوماسية، مع تأكيد ضرورة تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية.
الأمن المائي والغذائي والذكاء الاصطناعي.. جيل جديد من الاستراتيجيات
وأكد الملك محمد السادس ضرورة تجاوز الاقتصار على تسريع المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية، نحو إطلاق استراتيجيات كبرى تستجيب للتحولات الاقتصادية والجيوسياسية، وتعزز قدرة المملكة على تأمين احتياجاتها الأساسية.
ودعا إلى تطوير الاحتياطات الاستراتيجية وضمان توريد المواد الأساسية، في إشارة إلى أهمية تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد والتقلبات الخارجية.
كما شدد على ضرورة الارتقاء بالقطاع الخاص الوطني إلى مستوى «فاعل استراتيجي» في التحول التنموي، عبر تشجيع المبادرة والابتكار والاستثمار والتصدير، وتعزيز قدرته على خلق فرص العمل.
وفي ملف الشباب، دعا العاهل المغربي إلى وضع قضاياهم في صدارة السياسات العمومية، ضمن تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص، ويربط التعليم والتأهيل بالإدماج الاقتصادي، بما يعزز ثقة الشباب في مؤسسات بلادهم وإمكانات الارتقاء الاجتماعي.
رسالة واضحة للجهات: لا تأخير في نقل الصلاحيات والموارد
وفي محور التنمية الترابية، وضع الملك محمد السادس العمل الميداني في صدارة رهانات المرحلة المقبلة، داعياً إلى الوقوف على المشكلات الفعلية لكل منطقة والعمل على إيجاد حلول واقعية لها.
واعتبر أن تحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج وتحقيق التنمية المندمجة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، منتقداً استمرار التأخير والاختلالات التي تعرقل نقل الصلاحيات من المركز إلى الجهات.
وشدد على أنه «لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل» في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، بما يتطلبه من نقل للصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية إلى الأقاليم والجهات.
كما دعا إلى إزالة العراقيل التي تواجه مؤسسات الجهات، وتوضيح اختصاصاتها، وتعزيز مواردها البشرية والمادية، ووضع آليات للتنسيق والتعاقد بين الدولة والجهات، بما يمكن هذه الأخيرة من اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.
وتضع هذه التوجيهات ملف الحكامة الترابية أمام اختبار عملي يتعلق بمدى قدرة المؤسسات المعنية على تحويل الاختصاصات المقررة قانوناً إلى صلاحيات وموارد فعلية، وتقليص الفجوة بين القرارات المركزية واحتياجات السكان في مختلف المناطق.
الهجرة مع إسبانيا.. النموذج الحالي للتعاون «أصبح متجاوزاً»
وفي الجانب الخارجي، تناول الخطاب تدبير الهجرة والعلاقات مع الشركاء الأوروبيين، مؤكداً أن المغرب رسخ مكانته الدولية بوصفه شريكاً مسؤولاً وموثوقاً، لكنه ينتظر من شركائه الالتزام بالمبدأ نفسه.
وقال الملك محمد السادس إن المقاربة المغربية في تدبير الهجرة حققت نتائج ملموسة، غير أن نموذج التعاون الحالي في هذا المجال «أصبح متجاوزاً»، مشيراً إلى أن الأزمات المتكررة تكشف الحاجة إلى مراجعة آلياته.
وخص الخطاب الشراكة مع إسبانيا بالذكر، لافتاً إلى تطورها في مجالات متعددة، من بينها مكافحة الهجرة غير النظامية، لكنه أشار إلى تحديات مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية التي قال إنها تعرقل ترحيل القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتغذي نشاط الشبكات الإجرامية.
وفي موقف حازم بشأن طبيعة العلاقات الخارجية، أكد العاهل المغربي أن الشراكة «اختيار سيادي والتزام إرادي»، وأنها لن تكون موضوع ضغط أو تهديد أو ابتزاز.
كما أعلن أن المغرب سيقدم إلى شركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، تهدف إلى إرساء توجه جديد للتعاون يقوم على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
الانتداب البرلماني.. التزام سياسي وتعاقد أخلاقي
ووجه الملك محمد السادس رسالة مباشرة إلى أعضاء البرلمان، ذكّرهم فيها بأن الانتداب البرلماني ليس مجرد منصب تمثيلي، بل «التزام سياسي وتعاقد أخلاقي» يربطهم بالمواطنين.
ودعا البرلمانيين إلى تحمل مسؤولياتهم أمام المواطنين والتاريخ، بما ينسجم مع الثقة التي منحتها إياهم صناديق الاقتراع.
ويضع الخطاب، في مجمله، المؤسسات التشريعية والحكومة المقبلة أمام ثلاثة مسارات مترابطة: تسريع التحول الاقتصادي والاستراتيجي، وتحسين فعالية الإدارة والتنمية الجهوية، وإعادة تنظيم بعض أوجه التعاون الدولي، خصوصاً في ملف الهجرة.
وتتمثل الأولوية العملية التي يبرزها الخطاب في تحويل التوجيهات إلى نتائج قابلة للقياس، سواء في تأمين الموارد الأساسية وخلق فرص العمل، أو في نقل الصلاحيات إلى الجهات، أو في بناء شراكات دولية أكثر وضوحاً في الأهداف والمسؤوليات.