العضو السابق بالمجلس الإسلامي الأعلى …ولد الزين ولد الإمام مخاطبًا الريسوني: مقام العلماء يقتضي إخضاع دعاوى التاريخ لسلطان الدليل

وجّه الأستاذ الدكتور الشيخ ولد الزين ولد الإمام، عضو المجلس الإسلامي الأعلى في موريتانيا سابقًا وأستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة، رسالة مفتوحة إلى العلامة أحمد الريسوني، دعا فيها إلى التمييز بين الروابط الدينية والحضارية التي تجمع موريتانيا والمغرب، ومسألة التبعية السياسية والسيادة التاريخية. وجاءت الرسالة ردًا على تصريحات منسوبة إلى الريسوني في مقطع متداول على منصات التواصل الاجتماعي، قال فيها إن بلاد شنقيط لم يكن لها وجود مستقل في التاريخ، وإنها كانت عمالة مغربية. واستند ولد الزين في رده إلى جملة من القرائن التاريخية والوثائق والشواهد العلمية، مؤكدًا أن إثبات التبعية السياسية يحتاج إلى أدلة صريحة، وأن الاعتزاز بالروابط الأخوية بين الشعبين لا يستلزم إلحاق موريتانيا سياسيًا بالمغرب.
وهذا نص الرسالة المفتوحة كما تلقتها #الصدى من كاتبها الشيخ الدكتور الشيخ ولد الزين :
رسالة مفتوحة إلى فضيلة العلامة أحمد الريسوني حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صاحب الفضيلة العلامة أحمد الريسوني، حفظكم الله،
تداولت وسائل التواصل مقطعًا مرئيًّا لكم تؤكدون فيه أن بلاد شنقيط لم يكن لها وجود مستقل في التاريخ، وأنها كانت عمالة مغربية كسائر عمالات المملكة المغربية.
وإن مثل هذا الإطلاق لا يليق بمقامكم العلمي؛ لما فيه من خلط بين الأخوة والتبعية، وإلحاق حكم سياسي بحقيقة تاريخية لا تثبت إلا بدليلها.
فالشناقطة لا ينكرون وشائج القربى مع المغاربة، ولا وحدة الدين والعرق والحضارة، ولكنهم ليسوا لذلك من أهل المغرب الأقصى، إلا إذا أُريد بالمغرب المغرب العربي الكبير، فتلك مسألة أخرى.
ففي المدينة المنورة أوقاف مغربية لا ينتفع بها الشناقطة لكونهم ليسوا من أهل المغرب الأقصى، وهو أمر مشهور، دال على تمايز الانتسابين، وإن اتصلت أسبابهما.
وقد قال الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾؛و الانتساب إلى الأوطان شبيه بالانتساب الى الأنساب .
فإن كان مرادكم تأكيد الأخوة ووشائج القربى، فلا ننازع فيه؛ وإن كان مرادكم إثبات التبعية السلطانية، فذلك حكم آخر له مناطه ودليله.
إن وحدة الدين لا تستلزم وحدة السلطان، والاستنصار بحاكم لا يثبت الخضوع لحكمه، والاشتراك في الحضارة لا يقتضي اندراج الأوطان.
ولكل دعوى حجتها، ولا يصح تعدية الدليل من باب إلى باب.
وقد تفضلتم بأن نظرتكم علمية لا سياسية؛ ومقتضى النظر العلمي أن تُسند الدعوى إلى وثائقها، وأن يُفرّق بين النفوذ العارض والسيادة المستقرة.
أما بلاد شنقيط، فقد ظلت فضاءً لم يستقر فيه سلطان مركزي جامع. ولا يُعرف، بحسب ما نعلم، في تاريخ مساجد شنقيط وتيشيت وولاتة ووادان، وهي من أعرق حواضر البلاد، تقليد مستقر للدعاء على منابرها لسلطان مغربي بوصفه حاكمًا عليها.
وغياب هذه العلامة، وإن لم يكن وحده قاطعًا في نفي كل نفوذ، يظل قرينة تستحق الاعتبار.
ولا ينهض باستدراك ذلك استنجاد أمراء البلاد بالسلطان المغربي زمن الغزو الفرنسي؛ فإن الاستنصار بسلطان مسلم عند العدوان لا يستلزم التبعية له، كما استنجد الأمير عبد القادر الجزائري بغيره.
فالأخوة الدينية قد تكون باعثًا على الاستنصار، من غير أن تكون دليلًا على السيادة.
ومن الوثائق التي يُستأنس بها في هذا الباب الظهير المنسوب إلى السلطان الحسن الأول، المؤرخ بربيع الثاني سنة 1296هـ، الموافق سنة 1878م، وفيه تحديد لمجال التولية السلطانية، جاء في آخره:
«… من بني عمران إلى وادي نون إلى الساقية الحمراء للطرفاية إلى منتهى العمارة من إيالتنا لتلكم البلاد النائية».
وبين تلك التخوم وبلاد شنقيط مهامه فيح يحار فيها القطا.
وقد عُرفت البلاد ببلاد المنكب البرزخي، ووُصفت بالبلاد السائبة، واشتكى علماؤها من غياب السلطان الجامع، بل طالبوا بإقامته، فقد قال قائلهم :
وَقُلْتُمْ لَا جِهَادَ بِلَا إِمَامٍ
نُبَايِعُهُ فَهَلَّا تُنْصِبُونَا
وَقُلْتُمْ لَا إِمَامَ بِلَا جِهَادٍ
يُعَزِّزُهُ فَهَلَّا تُضْرِبُونَا
إِذَا جَاءَ الدَّلِيلُ وَفِيهِ دَوْرٌ
كَفَى رَدْعًا لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَا
وتتأكد هذه الدلالة بما أورده العلامة باب ولد الشيخ سيديا في رسالته إلى العلامة ابن حبت الغلاوي، إذ قال:
«ولا يخفى على الناظر عدم قدرة سكان البلد على الجهاد من كل وجه. فإذا تُحقق أو ظُن عدم اتحاد الكلمة على السلطان القاهر وعدمُ بيت المال وعدمُ السلاح المماثل وعدمُ العدد المكافئ وعدمُ الصنائع المقاومة ونحوُ ذلك من سائر أسباب القوة، فقد تُحقق أو ظُن أن الثمرة إنما هي خلاف مقصِد الجهاد…».
ومحل الشاهد قوله: «عدم اتحاد الكلمة على السلطان القاهر»، وهو تعبير يكشف عن غياب سلطان جامع تنتظم عليه الكلمة، ويعضد سائر القرائن الدالة على طبيعة المجال السياسي الشنقيطي.
وعليه، فإن التاريخ لا يسعف بإطلاق في القول إن بلاد شنقيط كانت عمالة مغربية كسائر عمالات المملكة. ومن ذهب إلى هذه الدعوى فعليه إقامة البرهان، لا الاكتفاء بروابط الدين والعرق والجوار.
فليس في إثبات الخصوصية التاريخية لشنقيط انتقاص من المغرب، كما أن الاعتزاز بفضل المغرب الحضاري والعلمي لا يقتضي إلحاق شنقيط به سياسيًّا.
وإنما العدل أن يُعطى كل دليل قدره، وألا تُحمّل روابط الأخوة ما لا تقتضيه من أحكام السلطان.
لذلك نرجو من فضيلتكم إعادة النظر في هذا الإطلاق، أو الاستناد إلى وثائق صريحة تثبته؛ فمقام العلماء يقتضي تحرير محل النزاع، وردّ كل دعوى إلى دليلها، وصيانة التاريخ من أن تتصرف فيه الأهواء السياسية.
نسأل الله أن يديم بين الشعبين المغربي والموريتاني أواصر الأخوة والمودة، وأن يجعل العلم حاكمًا على الأهواء، والإنصاف جامعًا بين الإخوة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
*نواكشوط، 26 أكتوبر 2026م*
الأستاذ الدكتور الشيخ ولد الزين ولد الإمام
عضو المجلس الإسلامي الأعلى في موريتانيا سابقًا
أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة




