الأخبارفضاء الرأي

الأضحية بين المقصد الشرعي وثقافة الاستهلاك/أحمد ولد الدوه

احمدولد الدوه/ مدير تحرير في مجموعة الصدى للاعلام

مع اقتراب عيد الأضحى من كل عام، يعود الجدل ذاته حول الأضحية وأسعارها، حتى يكاد الحديث عن العيد ينحصر في “شراء الكبش”، وكأن شعيرة الأضحى اختُزلت في بعدها المادي وحده، بينما يغيب جوهرها الديني والإنساني والاجتماعي. 

 

وفي خضم هذا الجدل، تتكرر الشكاوى، وتتصاعد النقاشات، ويتحول موسم العيد عند بعض الأسر إلى مصدر ضغط نفسي واجتماعي، بدل أن يكون مناسبة للسكينة والفرح والتراحم.

 

ولا شك أن حكم الأضحية من الناحية الشرعية واضح ومعلوم عند أهل العلم، لكن الإشكال الحقيقي ليس في الحكم، وإنما في طريقة تناولنا للشعيرة، وفي الثقافة الاستهلاكية التي أصبحت تحيط بها، حتى صار البعض يظن أن التدين لا يكتمل إلا بشراء أضحية مهما كانت الظروف، مع أن الإسلام دين يسر ورحمة، لا يكلف الناس ما لا يطيقون.

إن من المهم التذكير بأن المسلم غير مطالب شرعًا بما يفوق قدرته، وأن القاعدة القرآنية المحكمة تقول:

{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.

كما قال تعالى:

{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}.

 

فهل يُعقل أن يتحول عيد الأضحى إلى مناسبة لإثقال كاهل الأسر محدودة الدخل بالديون والضغوط الاجتماعية؟

 وهل يصبح شراء الأضحية معيارًا للتدين أو للوجاهة الاجتماعية؟

 إن الأضحية شعيرة عظيمة، لكنها ليست فرض عين على كل مسلم، ومن لم يستطع ثمنها فلا حرج عليه، وله أبواب كثيرة ينال بها الأجر والثواب.

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين، أحدهما عنه وعن آل بيته، والآخر عن أمته، في دلالة عظيمة على روح التكافل والرحمة والتوسعة على الناس، لا على التعسير والتشديد عليهم.

لكن المؤسف أن الخطاب الإعلامي والاجتماعي في كل موسم عيد يركز غالبًا على أسعار الأضاحي وأوزانها وسلالاتها، وعلى متابعة الأسواق والمضاربات والسماسرة، بينما يتراجع الحديث عن المعاني الكبرى للعيد: التضحية، والتراحم، وصلة الرحم، والتوسعة على الفقراء، وإحياء روح التعاون بين الناس.

لقد أصبحت بعض المنابر الإعلامية ومواقع التواصل تساهم – بقصد أو بغير قصد – في تأزيم الوضع النفسي للأسر البسيطة، عبر صناعة حالة من التنافس الاجتماعي حول الأضحية، بدل ترسيخ الوعي بأن العيد أكبر من مجرد “شراء شاة”، وأن قيمة المسلم لا تُقاس بحجم أضحيته، وإنما بما يحمله من تقوى ورحمة وإحساس بالآخرين.

وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، تبدو الحاجة ملحة لإحياء قيم التضامن المجتمعي، من خلال مبادرات التكافل، وتقاسم الأضاحي، ودعم الأسر الهشة، وتشجيع التعاونيات الخيرية في الأحياء والقرى، حتى يشعر الجميع بفرحة العيد دون تكلف أو إحراج.

إن من أجمل صور العيد أن تجتمع عدة أسر على أضحية واحدة، يتقاسمون لحمها بمحبة ورضا، 

ويشعرون أنهم تغلبوا على ضيق الإمكانيات بروح التعاون والإيثار.

 فالعيد ليس مظهرًا استهلاكيًا، بل مناسبة لغرس معاني الأخوة والتراحم، مصداقًا لقوله تعالى:

{وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.

 

كما أن معالجة مشكلة ارتفاع الأسعار والغلا لا تكون فقط بكثرة الجدل الموسمي، وإنما عبر سياسات اقتصادية واجتماعية رشيدة، تعالج جذور الهشاشة والفقر والبطالة، وتدعم القدرة الشرائية للمواطن، وتحارب المضاربات التي ترفع الأسعار دون مبرر.

 

إن العالم اليوم يعيش أزمات اقتصادية متلاحقة، وتحديات اجتماعية متزايدة، وهو ما يستوجب العودة إلى القيم الإسلامية الأصيلة التي تقوم على التراحم والتكافل والتخفيف عن الناس، لا على تعقيد حياتهم أو تحويل الشعائر إلى عبء نفسي واجتماعي.

فالعيد في الإسلام شُرع للفرح، ولتقوية الروابط الاجتماعية، وتجديد معاني الرحمة والتآخي، وليس لإشاعة القلق أو التفاخر أو الإحساس بالعجز. 

 

ومن الحكمة أن تتجه جهود العلماء والإعلاميين والمثقفين وصناع القرار نحو ترسيخ هذه المعاني النبيلة، بدل اختزال شعيرة عظيمة في بعدها المادي فقط.

 

إن الأضحية عبادة جليلة لمن استطاع إليها سبيلًا، ومن لم يستطع فلا حرج عليه، والله أعلم بعباده وأرحم بهم.

 ويبقى الأهم أن نحافظ على روح العيد، وأن نجعل منه فرصة لنشر الرحمة والمحبة والتكافل، حتى يظل المجتمع متماسكًا، والدولة قوية، والناس أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة بروح جماعية متضامنة.

قال تعالى:

{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ}.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى