زلزال قصر فرساي،من الرابح ومن الخاسر ؟ تفاهم ترامب-بزشكيان يُعيد صياغة أمن الشرق الأوسط على حساب الخليج”// كتب ا.د كريم فرمان

مقال أكاديمي وتحليل سياسي معمق للأكاديمي العراقي البارز الاستاذ الدكتور كريم فرمان
يستحق القراءة والتامل
المصدر : الكاتب
أحدث توقيع مذكرة التفاهم (MoU) بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان تحولاً جيوستراتيجياً عميقاً إذ يهدف هذا الاتفاق الإطاري إلى إنهاء الحرب التي اندلعت في فبراير 2026 بفتح مضيق هرمز ووقف العمليات العسكرية لمدة 60 يوماً. وفيما يلي تحليل أكاديمي معمق لخرائط الربح والخسارة، وتداعياتها على دول الخليج والوسطاء
أولاً: خريطة الرابحين والخاسرين (ميزان القوى الجديد)
1. الرابح الأكبر: إيران
* الاختراق المالي والأمني: نجحت طهران في انتزاع اعتراف أمريكي بسيادتها دون المساس بهيكل نظامها الحاكم. وحصلت على موافقة مبدئية لرفع الحصار البحري، وتسهيل الإفراج عن أصول مجمدة بمليارات الدولارات.
* شرعنة النفوذ الإقليمي: شمول الاتفاق لساحة لبنان وتأكيده على سيادتها يمنح حلفاء إيران (كحزب الله) حصانة سياسية من أي محاولات مستقبلية لنزع السلاح.
* شريان إعادة الإعمار: صياغة بند لإطلاق خطة دولية وإقليمية بقيمة 300 مليار دولار لإعادة الإعمار يمثل انتصاراً اقتصادياً غير مسبوق لطهران.
2. الرابح البراغماتي: دونالد ترامب
* تجنب الكارثة الاقتصادية: سعى ترامب لتفادي انهيار الأسواق المالية العالمية نتيجة انسداد مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة.
* شعار “صانع السلام”: يروج ترامب للاتفاق كإنجاز تاريخي تفوق به على سلفه باراك أوباما، محققاً تفكيكاً جزئياً (تخفيض درجة مزج اليورانيوم عالي التخصيب) بأقل التكاليف العسكرية المباشرة لبلاده.
3. الخاسر الاستراتيجي: صقور واشنطن وإسرائيل
* إسرائيل في عزلة مؤقتة: استبعاد إسرائيل من المفاوضات ورفض واشنطن إطلاعها على المسودة يعكس تبخراً في التنسيق المطلق. كما يفرض التفاهم قيوداً علنية على حرية حركتها العسكرية في لبنان.
* الانقسام الداخلي الأمريكي: يواجه ترامب انتقادات لاذعة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري لاعتباره الاتفاق “استسلاماً” منح إيران مكاسب مالية دون إنهاء طموحها النووي بالكامل.
ثانياً: الأضرار والمهددات الإستراتيجية على دول الخليج العربية
تجد دول الخليج العربية نفسها أمام واقع أمني معقد يفرض عليها أعباءً إضافية
* تآكل المظلة الأمنية الأمريكية: يثبت الاتفاق تراجع موثوقية واشنطن كحليف أمني يضمن الردع العسكري؛ حيث فضلت الإدارة الأمريكية المسار الدبلوماسي لحماية مصالحها النفطية بدلاً من كسر الشوكة العسكرية الإيرانية.
* فرض كلفة إعادة الإعمار: صياغة بند تمويل خطة إعادة إعمار إيران بقيمة 300 مليار دولار يُشير صراحة إلى “شركاء إقليميين”، مما يضع دول الخليج ذات الوفرة المالية أمام ضغوط سياسية أمريكية لتمويل خصمها التاريخي تحت لافتة “الاستقرار”.
* شرعنة تهديد مضيق هرمز: حصر فتح المضيق مجاناً لمدة 60 يوماً فقط، وفتح الباب أمام إدارة مستقبلية تفرض رسوماً بالتنسيق مع عُمان والخليج، يعني اعترافاً دولياً ضمنياً بقدرة إيران على استخدام الممر المائي كأداة ابتزاز شرعية.
* بقاء خطر الوكلاء ،لم تضمن المذكرة تفكيك شبكة الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية الإيرانية، مما يبقي التهديد الأمني المباشر للمدن والبنية التحتية الخليجية قائماً دون حسم.
ثالثاً: مكاسب الوسطاء (قطر و باكستان)
أثبتت الدبلوماسية الوقائية فاعليتها، وحصد الوسطاء مكاسب سياسية وجيوسياسية كبرى
1. دولة قطر: تثبيت مكانة “العاصمة الدبلوماسية
* تعزيز النفوذ الإقليمي أكدت الدوحة على دورها كجسر تواصل لا غنى عنه بين الغرب وإيران، مما يمنحها حصانة سياسية دولية ومكانة متقدمة لدى إدارة ترامب.
* تأمين الاقتصاد الوطني: فتح مضيق هرمز يمثل مصلحة حيوية قطرية لتأمين تدفقات صادرات الغاز المسال (LNG) إلى الأسواق العالمية دون مخاطر عسكرية.
2. باكستان: صياغة “مذكرة إسلام آباد” والعمق الإستراتيجي
* تثبيت الثقل الدبلوماسي: توقيع رئيس الوزراء شهباز شريف كشاهد ومسهل رئيسي يرفع الأسهم السياسية لإسلام آباد دولياً.
* تخفيف الضغط الحدودي والاقتصادي: يحد وقف الحرب من مخاطر تدفق اللاجئين عبر الحدود المشتركة مع إيران، ويمهّد الطريق لاستئناف مشاريع الطاقة الإقليمية الحيوية لباكستان (مثل أنبوب الغاز المشترك. وختاما ان خيط دبلوماسي خفي بين زلزال الحرب العالمية الأولى وبين الصراع المعاصر في الشرق الأوسط، وعنوان هذا الخيط هو “فرساي”. فبين المعاهدة التاريخية عام 1919 التي أعادت تشكيل جغرافيا العالم بالحديد والنار، وبين مذكرة التفاهم الحالية بين أمريكا وإيران التي تهدف لإنهاء العمليات العسكرية وفتح ممرات الملاحة الدولية، يتأرجح مفهوم السلام العالمي ليبقى قصر فرساي الرمز المشترك لتسوية النزاعات الكبرى؛ ليؤكد أن الحروب مهما بلغت قسوتها، تنتهي دائماً فوق طاولة المفاوضات، وأن الاستقرار الحقيقي يتوقف على مدى التزام الأطراف بوعود القصور الفاخرة.ولكن التاريخ البعيد والقريب يعلمنا انه من الصعب الركون الى التزامات النظام الايراني الذي لم يتغير منه شيء فعندما يتعافى سيعود إلى لعبته المفضلة في التوغل في دول الجوار واختراق امنها الوطني كمهدد سياسي وايديولوجي معبيء بالحقد والانتقام




