الأخبارفضاء الرأي

العمدة السابق محمد سالم ولد بمبه يكتب: اللامبالاة المستغربة والحياد المطلوب

محمد سالم ولد بمب / عمدة سابق – سياسي وكاتب صحفي

كيف نقبل من فخامة رئيس الجمهورية موقف اللامبالاة اتجاه من يعرقل الحوار الذي أدرج في التزاماته الانتخابية واتخذ سلسلة من الخطوات الرامية لإطلاقه، بحجة أنه لن يضغط على الموالاة لسحب بند المطالبة بإعادة نقاش مسألة المأموريات، كما أنه لن يتدخل لدى المعارضة لسحب أي من مقترحاتها المقدمة للنقاش خلال منتديات الحوار، مؤكدا في هذا السياق أنه يلتزم الحياد في هذه المسألة ويقف على نفس المسافة بين جميع الأطراف؟
وهذه مناسبة لأقدم وجهة نظري الهادفة للتمييز بين موقف لامبالاة الرئيس اتجاه هذه القضية المستغرب، إن لم يكن مرفوضا، ومسلك الحياد الرئاسي المرغوب من طرف الأغلبية الساحقة من المحرومين من عين الرضى والرعاية الرئاسية لشؤونهم وحقوقهم الوطنية.
فخامة الرئيس،
لم يترك لكم نص دستور الجمهورية الإسلامية حرية الاختيار بين الحسم واللامبالاة اتجاه من يريد العبث بالدستور وتحويله إلى مجرد مرسوم يتغير مع كل رئيس جديد؛ حيث نصت المادة 99 منه على:” لا يجوز الشروع في أي إجراء يرمي إلى مراجعة الدستور إذا كان يطعن في كيان الدولة أو ينال من حوزتها الترابية أو من الصبغة الجمهورية لنظام الحكم أو من الطابع التعددي للديموقراطية الموريتانية أو من مبدأ التناوب الديموقراطي على السلطة ومن لازمه المبدأ المحدد لولاية رئيس الجمهورية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة طبقا لما تنص عليه المادتان 26 و28 المذكورتان سابقا”، كما نص قسم رئيس الجمهورية الوارد في المادة29 على”.. وأقسم بالله العظيم ألا اتخذ أو أدعم بصورة مباشرة أو غير مباشرة أية مبادرة من شأنها أن تؤدي إلى مراجعة الأحكام الدستورية المتعلقة بمدة مأمورية رئيس الجمهورية وشروط تجديدها الواردة في المادتين 26 و28 من هذا الدستور”.
انطلاقا من هذه الأحكام الواضحة والجلية، هل يمنحكم، يا فخامة الرئيس الدستور حرية الوقوف بشكل لا مبال اتجاه من يطالب بجزء من الحوزة الترابية للجمهورية أو يعمل على تكريس الأحادية الحزبية أو يدعو إلى اعتماد النظام الملكي المتوارث؟، أم يلزمكم، بالتصرف التلقائي اتجاه كل من يتخذ مبادرات للمساس بهذه المبادئ المشكلة لكيان الجمهورية، والتي لا يمكن الحديث عنها إلا من طرف من يريد إلغاء الدستور من أساسه، لا من يسعى إلى تعديله جزئيا، الأمر الذي يشكل في حد ذاته انقلابا على النظام الجمهوري، يتعين على الرئيس مواجهته طبقا لنص المادة 24 من الدستور، التي تؤكد على أن “الرئيس هو حامي الدستور وهو الذي يجسد الدولة ويضمن، بوصفها حكما، السير المضطرد والمنتظم للسلطات العمومية وهو الضامن للاستقلال الوطني ولحوزة الأراضي”، وهو الضامن كذلك، وبنفس القوة القانونية، لمبدأ التناوب الديموقراطي على السلطة،
وماذا سيفهم المراقب من إحجام الرئيس عن إصدار التوجيهات إلى الموالاة أو إلى المعارضة، حين تقترح أيا منهما أحد البنود المشكلة لأسس الجمهورية المستثناة من نطاق المراجعة الدستورية، مثلما فعلت الموالاة حين أصرت على مناقشة بند المطالبة بمراجعة المأمورية الرئاسية ؟،أو لا يجوز للبعض أن يعتقد أن ذلك يمثل نوعا من المبادرة غير المباشرة للمساس بهذه الترتيبات المحصنة؟
أعتقد أن فخامة الرئيس حين يراجع أحكام الدستور السابقة، لا بد أن يستخلص أن عليه أن يوقف مهزلة المأمورية، التي تمثل دعوة للعودة إلى حقبة ما قبل 2005، حين كان التداول على السلطة لا يمكن أن يتم إلا بواسطة الانقلابات العسكرية.
أما مسألة حياد الرئيس اتجاه جميع الأطراف السياسية والمدنية، فقد حسمه الدستور هو الآخر بوضوح شديد، حين نص على أن صفة الرئيس ” تتعارض مع ممارسة أي وظيفة عمومية أو خصوصية أخرى ومع الانتماء إلى الهيئات القيادية لأي حزب سياسي” طبقا لنص المادة 27 منه، الأمر الذي ينبغي للرئيس أن يجسده عمليا من خلال خطوات أساسية، في مقدمتها إعلان التخلي التام عن مرجعية حزب الانصاف الحاكم وإصدار مرسوم رئاسي يرسي ويضمن احترام المنزلة الدستورية لرئيس الجمهورية، وأن يعمل على الاحترام الصارم لمقتضيات هذا المرسوم وأن يلزم الحكومة والإدارة بتطبيق ما يترتب عليه من حياد اتجاه أطراف المشهد السياسي.
من شأن هذه الخطوة الرئاسية أن تنتج مجموعة من الآثار الإيجابية، منها بشكل خاص:
1-تسجيل قطيعة باسم رئيس الجمهورية محمد الشيخ الغزواني مع إرث التماهي بين الجهاز التنفيذي للدولة والحزب الحاكم، مثلما كان قائما في عهد حزب الشعب، وانتقل منه إلى هياكل تهذيب الجماهير التي ورثته بدورها للحزب الجمهوري بأسمائه المتحورة مع تغير رؤساء البلد، خاصة أنه يستعد لمغادرة السلطة بعد سنتين، مما يسمح له بأن يقدم خدمة للتجربة الديموقراطية الوطنية من خلال الانسجام مع خطابه المعلن الرامي لبناء دولة العدل والانصاف، الأمر الذي يحتم عليه التحرر من مجموعات الضغط التي ألفت مقايضة ولائها بالاستئثار بالمناصب الانتخابية والمنافع المتولدة من تسيير المرافق العمومية،
2-ستعطي هذه الخطوة معنى للتعددية الحزبية وتكسر احتكار حزب سياسي واحد للمؤسسات المنتخبة والمرافق العمومية للدولة، ويفتح المجال للمنافسة الحرة بين الأحزاب السياسية، الداعمة للنظام أو تلك المعارضة له،
3-ستمنح الخطوة فرصة للحكومة لبناء قراراتها على شبكة واضحة من المعايير الضامنة للعدل والانصاف بين المواطنين، مما يجنبها السقوط في مسالك الحسابات السياسوية الظرفية التي تدفعها إلى ممارسة التمييز بين المواطنين على أسس غير موضوعية مثلما تضمنته قرارات مجلس الوزراء في اجتماعه يوم أمس التي يقال إنها تضمنت منح علاوات للضباط المتقاعدين مدى الحياة مع منعهم من ممارسة العمل السياسي دون إذن مسبق من وزير الدفاع، دون الحديث عن وضعية الآلاف من الأطر المدنيين المتقاعدين الذين خدموا الدولة والمجتمع بنفس الدرجة التي خدم بها الضباط الدولة، فبأي منطق أخلاقي وقانوني يمكن لدولة الحق والعدل أن تسوغ هذا الأسلوب من التعامل مع المواطنين ؟
اللهم هل بلغت اللهم فاشهد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى