الأخبارالصدى الثقافيمقالات و تحليلات

حين تسقط أخلاق الاختلاف / الولي سيدي هيبه

الولي ولد سيدي هيبة/ اعلامي موريتاني

لا تقاس المجتمعات بما تملكه من قوانين ومؤسسات فقط، بل بما ترسخه من قيم تحمي كرامة الإنسان، وتصون السلم الأهلي، وتحفظ وحدة المجتمع وتماسكه…

ما مصدر هذه الحالة الاستثنائية من التمادي في تجاوز الأخلاق والقيم، بل وتعدي حدود الدين وأحكامه؟ وكيف بلغ الخطاب العام شأوا من الانفلات، صارت معه الملاسنات الحادة والمهاترات العبثية والسباب المتشنج، تمارس بلا رقيب ولا وازع، خارجة عن كل مقتضى من مقتضيات اللياقة والاحترام؟
فعلى ضوء ما ينشر ويبث ويكتب في رحى هذه الحرب الكلامية المفتوحة، يتأكد يوما بعد يوم حجم التراجع الذي أصاب أخلاق الحوار وآداب الاختلاف. فلم تعد الخلافات تدار بالحجة والبرهان، ولا بالتنافس الشريف في عرض الأفكار والدفاع عنها، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة للسباب والتجريح الشخصي والتشهير، اختلط فيها الهجاء الرديء بالبدائية الجاهلية، التي تقوم على التخويف والتلويح بالاعتداء على الأشخاص والحرمات، واستعراض قوة الظهير القبلي أو العشائري، وتحدي سلطة القانون وهيبة الدولة.
وما يزيد الأمر خطورة أن هذه الموجة من الانفلات لا تستثني أحدا، فلا يسلم منها شيخ له مكانته العلمية والدينية، ولا سياسي له حضوره وتأثيره، ولا محام بارز، ولا إعلامي متمرِس، ولا شاعر مبدع، ولا مثقف رفيع القدر. لقد تراجعت الاعتبارات التي كانت تحفظ للناس أقدارهم، فلم يعد للسن، ولا للعلم، ولا للمكانة الاجتماعية ما يجب أن يحفظ لها من احترام وتوقير، وأصبح بعض المتصدرين للمشهد العام يندفعون إلى تبادل الاتهامات والنعوت الجارحة بصورة غير مسبوقة.
يكفي المتابع لما يجري في الفضاءات العامة ومنصات التواصل أن يلحظ وقائع متكررة تؤكد هذا المنحى حيث تتحول خلافات فكرية أو سياسية عابرة إلى حملات منظمة للتشهير والشتائم، وينتقل النقاش من مناقشة الأفكار إلى استهداف الأشخاص وعائلاتهم وانتماءاتهم. وهو مشهد لا ينسجم مع قيم المجتمع التي يتباهى بمنظومتها الأخلاقية المنظومة شعرا والمنشورة نثرا، ولا مع تعاليم الدين الحنيف الذي جعل صيانة الكرامة الإنسانية وحفظ الأعراض واحترام الآخرين من أعظم الواجبات.
إن حرية التعبير عن الرأي حق مكفول، لكن لا يمكن أن تكون مبررا للسب والقذف والإهانة، ولا للنيل من الناس ومكانتهم. فالاختلاف سنة بشرية، والتنافس السياسي أو الفكري أمر طبيعي، غير أن المجتمعات المتماسكة هي التي تجعل من الأخلاق سقفا لا يتجاوز، ومن القانون مرجعا يحتكم إليه، ومن احترام الإنسان قيمة ثابتة لا تسقط مهما بلغت حدة الخلافات.
إن ما نشهده اليوم يطرح تساؤلات جوهرية عميقة حول أسباب هذا التراجع في منظومة القيم، وحول دور الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية والقانونية في إعادة الاعتبار لأخلاق الحوار والتبادل والاختلاف. فالمجتمعات لا تقاس فقط بما تملكه من قوانين ومؤسسات، بل بما ترسخه من قيم تحمي كرامة الإنسان، وتصون السلم الأهلي، وتحفظ وحدة المجتمع وتماسكه. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى ترسيخ ثقافة الحوار الرصين، وتجديد الوعي بأن قوة الموقف لا تقاس بحدة العبارة، ولا بقدرة صاحبها على الإساءة إلى خصمه، وإنما بما يحمله من صدق، وحجة، واحترام للقيم والمبادئ التي تحفظ للمجتمع توازنه واستقراره حتى لا يبدو وكأن زمن “السيبة” والفوضى ما زال قائما، وإن بأشكال جديدة وأدوات  مختلفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى