ضع النجاح أمامك… لكن ضع الرزق وراءك/ بقلم: خليفة الشرقي

قد تبدو هذه العبارة متناقضة لأول وهلة…
فكيف يضع الإنسان الرزق وراءه، وهو يخرج كل صباح ساعيًا إليه؟
لكن التأمل يكشف أن المقصود ليس ترك طلب الرزق، ولا التقليل من شأن المال، وإنما تحرير القلب من عبوديته…
فالنجاح هو الطريق، والرزق هو الثمرة…
إذا جعلت النجاح أمامك، فسوف تتقن عملك، وتخلص في رسالتك، وتتعلم، وتبدع، وتخدم الناس، وتحترم ضميرك…
وحينها يصبح الرزق نتيجة طبيعية لذلك النجاح، لا غايةً تُباع من أجلها المبادئ…
أما إذا جعلت الرزق أمامك، فقد يتحول إلى هوسٍ يقود خطواتك، ويزرع في قلبك الطمع، ويزين لك اختصار الطرق، حتى يصبح الحرام عند بعض النفوس مجرد وسيلةٍ لتحقيق الثراء…
وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية…
إن الإسلام لم ينهَ عن طلب الرزق، بل أمر بالسعي إليه…
﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾
فالمشي من الإنسان، والرزق من الله…
وأمر بالأخذ بالأسباب، وربطها بالتوكل، لا بالطمع…
وكان رسول الله ﷺ يعلّم أمته أن تتوكل على الله حق التوكل، مع السعي والعمل، كما تغدو الطيور من أوكارها جائعة، ثم تعود في المساء وقد رزقها الله…
فالطير لم تنتظر الرزق في أعشاشها، لكنها أيضًا لم تحمل همَّ خزائن السماء على أجنحتها…
وهذه هي المعادلة التي يغفل عنها كثير من الناس…
لقد أدرك الفلاسفة أيضًا أن المال وسيلة، وليس غاية…
فالإنسان الذي يجعل الثروة هدف حياته قد يمتلك المال، لكنه يخسر نفسه…
أما الذي يجعل الفضيلة والإتقان والنجاح رسالته، فإن المال يأتيه تابعًا، ويبقى هو سيدًا له، لا عبدًا عنده…
كم من طبيبٍ جعل همه علاج المريض قبل المال، فأغناه الله…
وكم من معلمٍ أخلص في تعليم الأجيال، فترك أثرًا أعظم من أي ثروة…
وكم من تاجرٍ صدق وأمانة، فبارك الله في رزقه، لأن البركة لا تُشترى، وإنما تُمنح…
إن الطمع لا يعرف الشبع…
فكلما امتلأت يد صاحبه، ازدادت نفسه جوعًا…
أما القناعة، فهي الغنى الذي لا ينفد…
ولذلك، لا تجعل المال قائد حياتك…
بل اجعل النجاح، والعلم، والعمل، والإبداع، والأخلاق، وخدمة الناس أمام عينيك…
واجعل الرزق يسير خلفك، يلحق بخطواتك، لأنه وعدٌ من الله لمن أحسن السعي، وأخلص العمل، واتقى الحرام…
ضع النجاح أمامك ليقود طريقك…
ودع الرزق وراءك، يتبع جهدك، ولا تدعه يقود قلبك…
فما كُتب لك سيأتيك، ولكن الله أراد أن يأتيك وأنت تعمل، لا وأنت تتواكل…
وأراد أن يأتيك من باب الحلال، لا من أبواب الطمع…
فالنجاح الحقيقي ليس أن تملك المال…
بل أن تملك المبادئ، فيأتيك المال مكرمًا، لا أن تأتيه مفرطًا بكرامتك…
تلك هي الحكمة…
ضع النجاح أمامك… لكن ضع الرزق وراءك…




