الأخبارمقالات و تحليلات

سمير الشيخلي: رجلُ المَلاحِم الثلاثة الذي نسيهُ الوطن في “قبوِ” المنافي! / كتب : ا.د كريم فرمان 

هندمَ بغداد وحرسَ وزاراتها بـ “نزاهةٍ تسيرُ على قدمين”..

في تاريخ الأمم رجالٌ لا يُقاس حضورهم بعدد السنين التي قضوها في السلطة، بل بحجم الآثار التي تركوها في وجدان الأرض ومآقي الناس. وفي تاريخ العراق الحديث، يبرز اسم الأستاذ سمير محمد عبد الوهاب الشيخلي كعلامة فارقة، ورقم صعب في معادلة الحكم والإدارة. رجلٌ لم يكن مجرد مسؤول يتقلّد المناصب، بل كان “هيئة نزاهة وشرف مسؤولية تسير على قدمين”؛ أثبت عبر محطات سيرته أن رجل الدولة الحقيقي هو من يصنع من الصخر شواخصَ لا تموت، ومن القوانين دروعاً تحمي الضعفاء، ومن المنصب محراباً لخدمة العباد.
((مهندس “ألف ليلة وليلة”: العاصمة في أبهى عصورها))

حين اعتلى الشيخلي كرسي أمانة العاصمة، لم يجلس خلف المكاتب الوثيرة، بل عُجنَت خطاه بأطيان بغداد وشوارعها. كان يبدأ يومه على العمل قبل خيوط الفجر الأولى، ولا يعود إلا وقد أسدل الليل ستاره. في عهده، عاشت بغداد -التي أسسها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور- أرقى عمليات التحديث والحداثة؛ فمنحها من روحه ألقاً وبنياناً قلّ نظيره.

أشرف شخصياً وبمثابرة فذة على ولادة أسطورة الهندسة “نصب الشهيد”، ذلك الإعجاز المعماري الذي اختزل تضحيات العراقيين في الدفاع عن حياض وطنهم، وهندس “ساحة الاحتفالات الكبرى”؛ ذلك الصرح الذي ما فتئ يباهي بجماله وجلاله “قوس النصر” في باريس، ويتفوق شموخاً وضخامة على “نصب الحرية” في نيويورك.

 

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.

ولم تكن هذه الحداثة مجرد حجر أصم، بل كانت نظاماً ونظافة أدهشت الوفود الأجنبية. ينقل أحد موظفي الدولة في تلك الحقبة شهادة وفد أوروبي رفيع المستوى زار العراق برئاسة ابن رئيس دولة أوروبية، حيث قال الأخير مذهولاً: “لقد أدهشتني عاصمة ألف ليلة وليلة؛ كنت أظنها خيالاً في بطون الكتب، فإذا بي أجدها أنظف وأجمل عواصم الشرق قاطبة”. هذه النظافة الفائقة لم تكن لتتحقق لولا المتابعة الضارية؛ لدرجة أن زوجته الراحلة “أم سمرة” كانت تستقبله بعيد المساء لتقول له من فرط إنهاكه وتنقله في ورش الإعمار: “رجاءً.. اخلع حذاءك المتسخ عند الباب!”.

وزير الداخلية: اختبار “الونان” وهيبة القانون 

عندما انتقل الشيخلي ليقود وزارة الداخلية، نقل معه تلك العقلية الصارمة التي لا تعرف المحاباة؛ كان ميزاناً متحركاً يكافئ المتميز ويعاقب المقصر بلا هوادة. وتختزل الذاكرة العراقية قصته الشهيرة عندما زار أحد أصدقائه الخلّص في بغداد، واستأذنه في الجلوس لنصف ساعة، لا بقصد التسامر، بل ليختبر نبض جهاز الأمن سرّاً.

اتصل بشرطة النجدة مغيراً نبرة صوته: “أنا مواطن، وهناك لص يهددني في فناء الدار”. في وقت قياسي، هرعت دوريات الشرطة إلى المكان، لكنهم ارتكبوا خطأً تكتيكياً بفتح منبه الطوارئ “الونان”. عندها، خرج إليهم الوزير بنفسه، وبنبرة القائد الحازم والساخر في آن واحد، خاطبهم قائلاً: “كيف ستقبضون على الحرامي وهو يستمع إلى منبهكم الصاخب من مسافة خمسة كيلومترات؟!”. هكذا كان يزرع الهيبة؛ بالمباغتة، والذكاء الإداري، والنزول إلى الميدان.

منارة التعليم والصحة: عهد العباقرة وبلا دموع

في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، خطّ الشيخلي فصلاً استثنائياً في تاريخ الأكاديمية العربية. لم يكن يؤمن بالولاءات الضيقة بل بالكفاءة المطلقة، فأحاط نفسه بصفوة العقول والعباقرة العراقيين الذين تخرجوا من أعرق جامعات أمريكا وأوروبا، وجعلهم قادة الصروح العلمية وجامعاتها الجديدة.
في عهده، كانت الإدارة الأكاديمية تسير بهدي قامات فذة وعقول جبارة؛ أمثال العالم الكبير الدكتور رياض الدباغ، والمفكر الفذ الدكتور بارق، والأكاديمي البارز الدكتور النائب، وعملاق الهندسة والتعليم الدكتور طه تايه النعيمي، والبروفيسور الخبير الدكتور داخل حسن جريو، وغيرهم من طليعة العباقرة الذين دانت لهم محافل العلم الدولية بالاحترام.

بفضل هذه المنظومة التي جمعت حزم الشيخلي وعبقرية علمائه، لم تبكِ أم عراقية ولم ينكسر قلب طالب متفوق في عهده؛ لأن مقاعد الجامعات والمعاهد العليا كانت تُمنح باستحقاق وبخطط استيعاب عادلة ضمنت لكل مبدع مكانه الطبيعي في قيادة المستقبل. ولم يختلف الأمر كثيراً حين تسلم حقيبة وزارة الصحة، حيث ظل وفياً لذات المعايير الصارمة والنظيفة.

المفارقة الموجعة: ثمن اليد البيضاء

بينما تشهد الحقبات المتأخرة تسابقاً محمومًا لسرقة المال العام، ونهب ثروات الشعب بشراهة منكرة، يقف تاريخ سمير الشيخلي شاهداً على طراز فريد من المسؤولين الذين اعتزلوا الدنيا ولم تلوّث الأموال خزائنهم.
لكن الدنيا، كعادتها إذا استدارت، لا ترحم الأنقياء؛ فهذا الرجل الذي أدار ثلاث وزارات سيادية، وقاد أمانة العاصمة في عصرها الذهبي، يجلس اليوم في خريف العمر داخل قبو متواضع في إحدى العواصم العربية، غريباً، نائياً، بل ولا يملك حتى جواز سفر يثبت أنه عراقي! وطنٌ كامل بناه وسهر عليه، يعجز اليوم عن منحه وثيقة انتماء.

في محراب شرف المسؤولية

إن قصة سمير محمد عبد الوهاب الشيخلي ليست مجرد سيرة ذاتية لوزير منجز، بل هي وثيقة إدانة تاريخية لكل من استرخص الأوطان، ودرسٌ بليغ في “شرف المسؤولية”.
إن شرف المسؤولية ليس رتباً تُعلّق، ولا أرصدة تُهرّب، بل هو أمانة ثقيلة تتفتق عنها عروش الرجال أو تتهاوى دونها الضمائر. لقد أثبت الشيخلي أن القائد الحقيقي لا يُقاس بما يملكه في جيبه عند مغادرة المنصب، بل بما يتركه في الشارع من بنيان، وفي المؤسسة من انضباط، وفي قلوب شعبه من احترام.
قد يسكن الشيخلي اليوم قبواً في المنفى، وقد تضنّ عليه الأوراق الرسمية بإثبات هويته، لكن هوية هذا الرجل محفورة في انحناءة “نصب الشهيد”، وفي شموخ “ساحة الاحتفالات”، وفي طهر كل منشأة أكاديمية وصحية بناها وحرسها بعبقرية رجاله. لقد خرج من السلطة ناصع الثوب، طاهر الكف، عاري الصدر إلا من كرامته؛ ليبقى حياً في ذاكرة العراق كرمز خالد للمسؤول الذي لم يبع دينه بملذات دنياه، ولم يخن أمانة الوطن الذي انجبه.

المصدر : الكاتب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى