الأخبارقضايا المجتمعمقالات و تحليلات

حين أصبحت الحياة مشروعًا مؤجلًا / بقلم : د. فوزية القحطاني

د. فوزية القحطاني / كاتبة وباحثة سعودية

ليست المشكلة أن الإنسان يسعى إلى حياة أفضل، فالرغبة في تحسين المعيشة غريزة فطرية، والسعي في الأرض عبادة إذا صلحت النية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسائل إلى غايات، ويصبح الطريق أهم من الوجهة، حتى يجد الإنسان نفسه يركض كل يوم دون أن يتوقف ليسأل: إلى أين أمضي؟

قبل عقود كانت الحياة أبسط، ولم تكن سهلة، لكن الناس كانوا يعرفون متى ينتهي العمل وتبدأ الحياة. أما اليوم فقد اختلطت الحدود بينهما؛ صار العمل يدخل البيوت، والهواتف ترافقنا إلى موائد الطعام، والإشعارات تقتحم لحظات الراحة، حتى فقد الإنسان المساحة التي يخلو فيها بنفسه.

لم يعد الإرهاق ناتجًا عن الجهد الجسدي وحده، بل عن انشغال لا ينقطع. نستيقظ قبل أن تستريح أرواحنا، ونمضي يومنا بين المواعيد والالتزامات، ثم نعود بأجساد متعبة وعقول لا تعرف السكون. وحين يحين وقت النوم، تبدأ الهموم حديثها الطويل بدل أن ينتهي.

امتلك الإنسان من وسائل الراحة ما لم تمتلكه أجيال قبله، ومع ذلك أصبحت الراحة نفسها من أندر ما يملك. ازدادت البيوت اتساعًا، لكن أفراد الأسرة أصبحوا أقل اجتماعًا. وتطورت وسائل التواصل، بينما تراجعت القدرة على التواصل الحقيقي مع أقرب الناس إلينا.

ليست المشكلة في التكنولوجيا، ولا في المال، ولا في الطموح، وإنما في فقدان القدرة على التمييز بين ما نحتاج إليه حقًا وما أقنعتنا الحياة أننا لا نستطيع العيش بدونه. فكلما اتسعت دائرة الرغبات، ضاقت دائرة الرضا، وتحولت الحياة إلى سباق لا يعرف خط النهاية.

يظن كثيرون أن السعادة تنتظرهم بعد الإنجاز القادم، أو الراتب الأعلى، أو المنزل الأكبر، أو السيارة الأحدث. وما إن يصلوا إلى هدف حتى يولد هدف آخر، فيؤجلون راحتهم مرة بعد أخرى، وكأن الحياة ستظل تمنحهم فرصة جديدة دائمًا. وهكذا تصبح الأيام سلسلة من التأجيلات؛ نؤجل لقاء الأحبة، ونؤجل السفر، ونؤجل الاهتمام بأجسادنا، ونؤجل أحلامنا الصغيرة، حتى نفاجأ بأن العمر مضى بينما كنا نستعد للعيش.

ومن أقسى المفارقات أن الإنسان قد يستهلك صحته في جمع المال، ثم ينفق ما جمعه باحثًا عن صحته. يسهر الليالي طلبًا للنجاح، ويؤجل العناية بجسده بحجة الانشغال، حتى يصبح موعد الطبيب أكثر حضورًا في حياته من موعد لقاء أصدقائه.

والأسرة ليست بعيدة عن هذا المشهد. فكثير من الآباء يظنون أن الحب يقاس بما يقدمونه من مال وهدايا، ثم يكتشفون بعد سنوات أن أبناءهم كانوا يحتاجون إلى وقتهم أكثر من حاجتهم إلى ما يشترونه لهم. فالطفل لا يحتفظ في ذاكرته بثمن الهدية، بل يحتفظ باللحظات التي شعر فيها أنه كان مهمًا في حياة والديه.

لقد أقنعنا هذا العصر بأن قيمة الإنسان فيما يملك، بينما الحقيقة أن قيمته فيما يكون. فقد يعيش إنسان بإمكانات متواضعة لكنه يملك قلبًا مطمئنًا وأسرة متماسكة ونومًا هادئًا، فيكون أغنى من آخر يملك كل أسباب الرفاهية ولا يعرف معنى السكينة.

لسنا مطالبين أن نهرب من الحضارة، ولا أن نزهد في النجاح، ولا أن نرفض نعم الله، بل المطلوب أن نبقيها في مكانها الصحيح؛ وسائل تعيننا على الحياة، لا غايات نضحي من أجلها بأعمارنا وصحتنا وعلاقاتنا. فكل نعمة لا تقود إلى الطمأنينة، ولا تعين الإنسان على أداء رسالته، قد تتحول إلى عبء إذا أسيء استخدامها.

وربما لا يحتاج الإنسان إلى مزيد من الأشياء بقدر ما يحتاج إلى أن يستعيد نفسه. أن يجلس مع والديه دون أن يسرقه هاتفه، وأن يتناول طعامه حاضر القلب، وأن يزور صديقًا لأنه اشتاق إليه، وأن يمنح أبناءه أفضل أوقاته لا ما تبقى منها بعد أن يفرغ من كل شيء.

فالسكينة لا تُشترى، ولا تُقاس بمساحة منزل أو حجم رصيد، وإنما تولد حين يعرف الإنسان أولوياته، ويرضى بما قسم الله له، ويدرك أن الحياة ليست ما نخطط له، بل ما نعيشه فعلًا.

وفي نهاية المطاف، لن يسأل الإنسان نفسه كم منزلًا امتلك، ولا كم سيارة قاد، ولا كم مالًا جمع، بل سيسأل سؤالًا واحدًا: هل عشت حياتي كما ينبغي؟ أم قضيت عمري أستعد للحياة حتى انتهى العمر قبل أن تبدأ؟

فالعمر لا يرحل دفعة واحدة، بل يغادرنا على هيئة أيام لم نعشها، ولحظات أجلناها، وضحكات فاتتنا، وأشخاص ظننا أن الزمن سيبقيهم في انتظارنا. لذلك لا تجعل حياتك مشروعًا مؤجلًا، ولا تؤخر فرحتك، ولا حضورك مع من تحب، ولا عنايتك بنفسك. عش يومك بما يرضي الله، واعمل لغدك، لكن تذكر دائمًا أن أجمل ما يملكه الإنسان ليس ما ادخره للحياة، بل ما عاشه منها. * كاتبة وباحثة سعودية

ليست المشكلة أن الإنسان يسعى إلى حياة أفضل، فالرغبة في تحسين المعيشة غريزة فطرية، والسعي في الأرض عبادة إذا صلحت النية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسائل إلى غايات، ويصبح الطريق أهم من الوجهة، حتى يجد الإنسان نفسه يركض كل يوم دون أن يتوقف ليسأل: إلى أين أمضي؟

قبل عقود كانت الحياة أبسط، ولم تكن سهلة، لكن الناس كانوا يعرفون متى ينتهي العمل وتبدأ الحياة. أما اليوم فقد اختلطت الحدود بينهما؛ صار العمل يدخل البيوت، والهواتف ترافقنا إلى موائد الطعام، والإشعارات تقتحم لحظات الراحة، حتى فقد الإنسان المساحة التي يخلو فيها بنفسه.

لم يعد الإرهاق ناتجًا عن الجهد الجسدي وحده، بل عن انشغال لا ينقطع. نستيقظ قبل أن تستريح أرواحنا، ونمضي يومنا بين المواعيد والالتزامات، ثم نعود بأجساد متعبة وعقول لا تعرف السكون. وحين يحين وقت النوم، تبدأ الهموم حديثها الطويل بدل أن ينتهي.

امتلك الإنسان من وسائل الراحة ما لم تمتلكه أجيال قبله، ومع ذلك أصبحت الراحة نفسها من أندر ما يملك. ازدادت البيوت اتساعًا، لكن أفراد الأسرة أصبحوا أقل اجتماعًا. وتطورت وسائل التواصل، بينما تراجعت القدرة على التواصل الحقيقي مع أقرب الناس إلينا.

ليست المشكلة في التكنولوجيا، ولا في المال، ولا في الطموح، وإنما في فقدان القدرة على التمييز بين ما نحتاج إليه حقًا وما أقنعتنا الحياة أننا لا نستطيع العيش بدونه. فكلما اتسعت دائرة الرغبات، ضاقت دائرة الرضا، وتحولت الحياة إلى سباق لا يعرف خط النهاية.

يظن كثيرون أن السعادة تنتظرهم بعد الإنجاز القادم، أو الراتب الأعلى، أو المنزل الأكبر، أو السيارة الأحدث. وما إن يصلوا إلى هدف حتى يولد هدف آخر، فيؤجلون راحتهم مرة بعد أخرى، وكأن الحياة ستظل تمنحهم فرصة جديدة دائمًا. وهكذا تصبح الأيام سلسلة من التأجيلات؛ نؤجل لقاء الأحبة، ونؤجل السفر، ونؤجل الاهتمام بأجسادنا، ونؤجل أحلامنا الصغيرة، حتى نفاجأ بأن العمر مضى بينما كنا نستعد للعيش.

ومن أقسى المفارقات أن الإنسان قد يستهلك صحته في جمع المال، ثم ينفق ما جمعه باحثًا عن صحته. يسهر الليالي طلبًا للنجاح، ويؤجل العناية بجسده بحجة الانشغال، حتى يصبح موعد الطبيب أكثر حضورًا في حياته من موعد لقاء أصدقائه.

والأسرة ليست بعيدة عن هذا المشهد. فكثير من الآباء يظنون أن الحب يقاس بما يقدمونه من مال وهدايا، ثم يكتشفون بعد سنوات أن أبناءهم كانوا يحتاجون إلى وقتهم أكثر من حاجتهم إلى ما يشترونه لهم. فالطفل لا يحتفظ في ذاكرته بثمن الهدية، بل يحتفظ باللحظات التي شعر فيها أنه كان مهمًا في حياة والديه.

لقد أقنعنا هذا العصر بأن قيمة الإنسان فيما يملك، بينما الحقيقة أن قيمته فيما يكون. فقد يعيش إنسان بإمكانات متواضعة لكنه يملك قلبًا مطمئنًا وأسرة متماسكة ونومًا هادئًا، فيكون أغنى من آخر يملك كل أسباب الرفاهية ولا يعرف معنى السكينة.

لسنا مطالبين أن نهرب من الحضارة، ولا أن نزهد في النجاح، ولا أن نرفض نعم الله، بل المطلوب أن نبقيها في مكانها الصحيح؛ وسائل تعيننا على الحياة، لا غايات نضحي من أجلها بأعمارنا وصحتنا وعلاقاتنا. فكل نعمة لا تقود إلى الطمأنينة، ولا تعين الإنسان على أداء رسالته، قد تتحول إلى عبء إذا أسيء استخدامها.

وربما لا يحتاج الإنسان إلى مزيد من الأشياء بقدر ما يحتاج إلى أن يستعيد نفسه. أن يجلس مع والديه دون أن يسرقه هاتفه، وأن يتناول طعامه حاضر القلب، وأن يزور صديقًا لأنه اشتاق إليه، وأن يمنح أبناءه أفضل أوقاته لا ما تبقى منها بعد أن يفرغ من كل شيء.

فالسكينة لا تُشترى، ولا تُقاس بمساحة منزل أو حجم رصيد، وإنما تولد حين يعرف الإنسان أولوياته، ويرضى بما قسم الله له، ويدرك أن الحياة ليست ما نخطط له، بل ما نعيشه فعلًا.

وفي نهاية المطاف، لن يسأل الإنسان نفسه كم منزلًا امتلك، ولا كم سيارة قاد، ولا كم مالًا جمع، بل سيسأل سؤالًا واحدًا: هل عشت حياتي كما ينبغي؟ أم قضيت عمري أستعد للحياة حتى انتهى العمر قبل أن تبدأ؟

فالعمر لا يرحل دفعة واحدة، بل يغادرنا على هيئة أيام لم نعشها، ولحظات أجلناها، وضحكات فاتتنا، وأشخاص ظننا أن الزمن سيبقيهم في انتظارنا. لذلك لا تجعل حياتك مشروعًا مؤجلًا، ولا تؤخر فرحتك، ولا حضورك مع من تحب، ولا عنايتك بنفسك. عش يومك بما يرضي الله، واعمل لغدك، لكن تذكر دائمًا أن أجمل ما يملكه الإنسان ليس ما ادخره للحياة، بل ما عاشه منها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى