الأخبارمقالات و تحليلات

كيف نجح نظام حزب أردوغان الإسلامي في تحقيق”المعجزة التركية” وعجز اسلام الجيران في ايران والعراق ؟ كتب ا.د كريم فرمان 

من قاع النفايات إلى قمة العشرين: كيف نجح نظام حزب أردوغان الإسلامي في تحقيق"المعجزة التركية" وعجز اسلام الجيران في ايران والعراق ؟

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.سابقا

من قاع النفايات إلى قمة العشرين: كيف نجح نظام حزب أردوغان الإسلامي في تحقيق”المعجزة التركية” وعجز اسلام الجيران في ايران والعراق ؟

المصدر : الكاتب /

كلما نظرت إلى مركز تركيا الدولي وجدتها اليوم تتربع على عرش القوى الإقليمية الكبرى، وباتت رقمًا صعبًا في السياسة الدولية وصناعات الدفاع، بعد عقود طويلة عانت فيها من التخلف الاقتصادي، والاضطراب السياسي، والفساد الإداري. هذا التحول الراديكالي يفرض سؤالين جوهريين: كيف نجح رجب طيب أردوغان وحزبه العدالة والتنمية في هندسة هذا الصعود بالأرقام والوقائع؟ ولماذا فشل جيرانه من الاسلاميين في العراق وإيران في استنساخ هذه التجربة او مقاربتها؟

 

( زلزال التنمية: من بلد “القمامة” إلى رابع وجهة سياحية عالمياً).

في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لم تكن إسطنبول التي قد زرتها مرات متتالية سوى مدينة رمادية يقتصر سحرها على الطبيعة الخام لمضيق البسفور، بينما تخنقها النفايات، وتلوث المياه، وانقطاع الكهرباء.

ولكن حقيقة بدأت نقطة التحول عندما تولى رجب طيب أردوغان رئاسة بلدية إسطنبول عام 1994، حيث اعتمد على معادلة “الإدارة التنفيذية الصارمة”:

* تصفير الأزمات البيئية: تطوير شبكات الصرف الصحي الحديثة، ونقل النفايات خارج المناطق السكنية، وتوليد الطاقة منها.

* البنية التحتية العملاقة: شق الأنفاق، وتوسيع شبكات النقل العام والمترو لربط القارتين الآسيوية والأوروبية.

* إعادة تسويق الهوية: ترميم المعالم التاريخية العثمانية والبيزنطية، وتحويل المدينة إلى متحف مفتوح.

ان نظرة أولية للمتابع على لغة الأرقام المحدثة: وفقًا لبيانات معهد الإحصاء التركي (TÜİK) والمنظمات الدولية:

 

* قفز الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لتركيا ليبلغ 1.64 تريليون دولار، متمسكة بمركزها في المرتبة الـ16 عالمياً وضمن أقوى اقتصادات مجموعة العشرين.

* سجل قطاع السياحة رقماً قياسياً غير مسبوق بعد أن استقبلت تركيا أكثر من 63.9 مليون زائر، لتصبح رابع أكثر دولة زيارة في العالم.

* بلغت العوائد السياحية 65.2 مليار دولار، وتستهدف الخطة الحكومية رفعها إلى 68 مليار دولار.

(العلمانية الإجرائية: دمج الإسلام السياسي بالبراغماتية).

أن أحد أكبر أسرار نجاح حزب “العدالة والتنمية” هو قدرته على تفكيك راديكالية الإسلام السياسي التقليدي، وتقديم نموذج يوصف بـ “العلمانية الإجرائية” أو المحافظة الليبرالية التي تعتمد على :

* الفصل بين العبادة والتشريع: لم يسعَ أردوغان لفرض الشريعة بالقوة أو إلزام المواطنين بالسلوك الديني؛ بل قدم نفسه كقدوة شخصية يتلو القرآن، تاركًا الحرية المجتمعية كاملة.

* التعايش بين المسجد والشاطئ: استوعبت الدولة التناقضات؛ فبجوار الشواطئ السياحية المنفتحة والموانئ العالمية، بُنيت المساجد والمدارس الدينية (إمام وخطيب).

* الحرية كأداة للمقبولية: هذا التوازن الذكي جعل الحزب مقبولًا محليًا كتيار وسطي جامع، ودوليًا كشريك يمكن التنبؤ بسلوكه، مما جلب الاستثمارات الغربية وضمن بقاء تركيا كعضو حيوي في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

 القوة الخشنة: السيادة التكنولوجية والعسكرية.

انتقلت تركيا من مرحلة “المستهلك للسلاح” إلى “المصدر السيادي” عبر استراتيجية الاكتفاء الذاتي الدفاعي:

* تحديث الجيش: بناء جيش تركي بمقاييس أطلسية حديثة، مدعومًا بعقيدة قتالية مرنة.

* ثورة المسيرات والصناعات الدفاعية: تطوير طائرات “بيرقدار” المسيرة، والسفن الحربية، والمدرعات محليًا، مما منح أنقرة استقلالية القرار السياسي وفرض نفوذها في ملفات إقليمية معقدة (القوقاز،فبرص، ليبيا، وسوريا.البلقان ، البوسنة، كوسوفو،البانيا ).

إن نجاح أو فشل الحركات السياسية الإسلامية في إدارة الدولة لا يعتمد على أيديولوجيتها الدينية، بل على مدى نضج وقوة المؤسسات البيروقراطية والدستورية القائمة

مفارقة السقوط: لماذا تعثر العراق وإيران؟

بينما كانت تركيا تبني المصانع وتجذب السياح والمستثمرين، غرق جيرانها في ثالوث “الأيديولوجيا، الفساد، والميليشيات”:

* إيران وعقدة تصدير الثورة: وقعت طهران في فخ الأيديولوجيا العابرة للحدود. استنزفت ثروات الشعب الإيراني النفطية في تمويل الأذرع العسكرية في المنطقة (العراق، سوريا، لبنان، اليمن،غزة ). تسبب هذا السلوك في فرض عقوبات دولية خانقة عزل الاقتصاد الإيراني، ودمر العملة المحلية، وحرم البلاد من التطور التكنولوجي والانفتاح السياحي.

* العراق وفخ المحاصصة والنهب: عانى العراق من غياب مفهوم “الدولة الوطنية” لصالح الهويات الفرعية والمحاصصة الطائفية بعد عام 2003. تحول البلد إلى ساحة للنفوذ الإيراني والميليشيات المسلحة التي تقوض سلطة القانون. وبسبب الفساد الهيكلي، تبخرت مئات المليارات من مبيعات النفط دون بناء مصنع واحد أو تطوير بنية تحتية سياحية أو خدمية، ليظل بلد الرافدين أسير الإرهاب والتبعية الاقتصادية.

تعد البروفيسورة [ليزا أندرسون (Lisa And، الأستاذة الشهيرة في النظم السياسية المقارنة والرئيسة السابقة للجامعة الأمريكية بالقاهرة وعميدة كلية الشؤون الدولية والعامة (SIPA) في جامعة كولومبيا الأمريكية سابقاً، من أبرز القامات الأكاديمية التي صاغت رؤية عميقة حول هذا التحول، حيث تلخص مقارنتها العلمية في مقولتها المأخوذة من أدبياتها حول مؤسسات الدولة:

 

“إن نجاح أو فشل الحركات السياسية الإسلامية في إدارة الدولة لا يعتمد على أيديولوجيتها الدينية، بل على مدى نضج وقوة المؤسسات البيروقراطية والدستورية القائمة التي ترثها هذه الحركات وتعمل من خلالها.”

 

معايير المقارنة العلمية بين النظم الثلاثة

تعتمد الدارسات السياسية في جامعات النخبة الأمريكية (Ivy League) على أربعة معايير علمية أساسية في التحليل المقارن لتفسير نجاح التجربة التركية وإخفاق التجربتين الإيرانية والعراقية:
1. مأسسة الدولة مقابل شخصنة السلطة (Institutionalization)

 

. تركيا: ورثت حركة الإسلام السياسي (العدالة والتنمية في بداياته) دولة عميقة ذات مؤسسات بيروقراطية وقانونية راسخة ومستقلة، مما أجبر النظام على العمل وفق آليات ديمقراطية ومؤسساتية أدت إلى نجاحه

. إيران: قامت الثورة بتفكيك مؤسسات الدولة السابقة وبناء “نظام موازٍ” قائم على شرعية دينية مرشدية (ولاية الفقيه)، مما جعل المؤسسات خاضعة للأيديولوجيا وشخصنة السلطة بدل المؤسسات.

. العراق: انهار هيكل الدولة تماماً بعد عام 2003، فجاءت النخب الإسلامية الحاكمة لتؤسس سلطة قائمة على المحاصصة الحزبية والشخصية، مما أعاق بناء مؤسسات دولة حقيقية.
2. طبيعة الاندماج في الاقتصاد العالمي (Economic Integration)

. تركيا: اعتمد النظام على اقتصاد سوق مفتوح وتصديري، وصعود طبقة برجوازية “الأناضول” المحافظة التي ربطت نجاحها السياسي بالاستقرار والنمو الاقتصادي العالمي. بينما حولت الطبقة التجارية مثلا

. العراق تحول إلى ساحة للفساد المالي والصفقات المالية المشبوهة وغياب طبقة رجال اعمال حقيقية تعتمد على التنافسية والجودة في إنجاز المشاريع. .إيران اتاح النظام فسحة لنمو مشاريع صناعية وزراعية في القطاع الخاص ومع وجود طبقة البازار إلا أن هيمنة المؤسسات الثورية الصلبة كالحرس الثوري والباسيج وشريحة رجال الدين على مؤسسات الاقتصاد والانتاج حال دون تطورها ومع ضغط العقوبات الاقتصادية الشديدة ومنع إيران من التواصل مع اليات الاسواق الدولية وتركيز النظام على توظيف موارده للصناعات النووية والحربية حرم البلد من اية فرص للنمو الاقتصادي.

3. الشرعية الانتخابية مقابل الشرعية الثورية/المحاصصاتية (Source of Legitimacy)

تركيا: استمد النظام شرعيته من “صندوق الاقتراع” والقدرة على تقديم الخدمات والتنمية (Performance Legitimacy) في بيئة تنافسية.

. إيران : تستند الشرعية إلى “الثورة والقداسة الدينية”، مما يجعل النظام يرى في المعارضة السلمية تهديداً للعقيدة وليس مجرد منافسة. . العراق: تقوم الشرعية على “المحاصصة الطائفية والقومية” (Consociationalism) لحماية المكونات، مما أنتج نظاماً عاجزاً عن تحقيق إجماع وطني أو فرض سيادة القانون.

استطيع القول وبكل ثقة إن الفارق بين النموذج التركي ونموذجي العراق وإيران هو الفارق بين “دولة الرفاه والتنمية” و”دولة الميليشيات والأيديولوجيا”.

 

4. إدارة التعددية والمجتمع المدني

. تركيا: واجه النظام مجتمعاً مدنياً حياً وقوى علمانية واجتماعية منظمة منعت الانفراد المطلق بالسلطة لفترات طويلة وأجبرته على المناورة الإدارية.

. إيران جرى تأميم المجتمع المدني وقمع القوى المستقلة تحت شعار حماية الثورة الإسلامية.

.العراق تفتت المجتمع المدني لصالح الهويات الفرعية (عشائرية، طائفية) والميليشيات المسلحة التي تتقاسم النفوذ وتضعف هيبة الدولة المركزية

 

وفي الختام استطيع القول وبكل ثقة إن الفارق بين النموذج التركي ونموذجي العراق وإيران هو الفارق بين “دولة الرفاه والتنمية” و”دولة الميليشيات والأيديولوجيا”. لقد نجح أردوغان لأنه أدرك أن قوة الدولة لا تقاس بالشعارات الرنانة، بل بقوة الاقتصاد، وحداثة الصناعة، والقدرة على التعايش مع العصر دون التخلي عن الهوية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى