هل القراءة تجعلك كاتبا ؟ / بقلم : ياسين محمد براهيم الخليل

قد يبدو السؤال بسيطا، هل القراءة تجعلك كاتبا ؟ فالكاتب في النهاية هو من يكتب لكنني أعتقد أن السؤال الحقيقي أكثر عمقا من ذلك وهو كيف يمكن لإنسان أن يكتب إذا لم يكن قد قرأ
أنا لا أؤمن بفكرة الكاتب الذي يبدأ من فراغ وكأن الكلمات والأفكار والأساليب تولد معه مكتملة قد يولد الإنسان بموهبة وقد يمتلك حسا جميلا باللغة وقد تكون لديه قدرة على التعبير لكن الموهبة وحدها لا تصنع كاتبا
الكتابة تحتاج إلى لغة واللغة تحتاج إلى قراءة ، وتحتاج إلى أفكار والأفكار تحتاج إلى معرفة
وتحتاج إلى خيال والخيال يتغذى مما نقرأه ونراه ونعيشه ونفكر فيه ، ولهذا أرى أن القراءة ليست شيئا يفعله الكاتب في وقت فراغه بل هي جزء من تكوينه نفسه
لكن هنا قد يعترض أحدهم ويقول: هناك أشخاص يكتبون دون أن يقرأوا كثيرا فلماذا نقول إنه لا يوجد كاتب بلا قراءة؟
والإجابة في رأيي أن الإنسان قد يكتب فعلا دون أن يفتح كتابا لكن الكتابة شيء وصناعة الكاتب شيء آخر ، قد تكتب أفكارا جميلة من تجربتك الشخصية وقد تكون صادقا ومؤثرا لكنك مع الوقت ستحتاج إلى كلمات لم تعرفها وأفكار لم تفكر بها وأساليب لم تجربها وزوايا لم تنظر منها إلى العالم وهنا تأتي القراءة
فالكاتب لا يقرأ لكي يقلد الآخرين بل لكي يعرف كم طريقة يمكن أن تروى بها الحكاية الواحدة
يقرأ فيكتشف أن الفكرة التي ظنها بسيطة يمكن أن تصبح عميقة وأن موقفا عاديا قد يتحول إلى قصة وأن كلمة واحدة قد تحمل شعورا كاملا وأن الصمت أحيانا يمكن أن يكون أكثر بلاغة من عشرات الجمل و الأجمل أن الكتاب الذي نقرؤه لا ينتهي فعلا عندما نصل إلى صفحته الأخيرة
قد نغلق الكتاب لكن شيئا منه يبقى فينا فكرة سؤال شخصية جملة شعور أو حتى طريقة جديدة في النظر إلى الحياة ومع كل كتاب يتسع العالم داخل الكاتب قليلا ، وهنا أعتقد أن العلاقة بين القراءة والكتابة ليست علاقة معلم بتلميذ بل علاقة غذاء بجسد ، كما لا يمكن للجسد أن يعيش طويلا بلا غذاء، لا يمكن لعقل الكاتب أن يستمر في إنتاج الأفكار وهو لا يسمح للأفكار الجديدة بالدخول إليه ،لكنني لا أقول إن كل قارئ سيصبح كاتبا
القراءة تفتح الباب لكنها لا تجبرك على الدخول
قد تقرأ مئات الكتب ولا تكتب سطرا واحدا وقد تقرأ كتابا واحدا بعمق فيغير شيئا كاملا في داخلك فالكاتب لا يصنعه عدد الكتب التي قرأها وإنما ما فعلته القراءة بطريقة تفكيره ونظرته إلى العالم وقدرته على التعبير
ولهذا عندما يقول شخص: أريد أن أصبح كاتبا لكنني لا أحب القراءة أشعر أن هناك تناقضا في الفكرة نفسها ، فكيف تريد أن تبني بيتا من الكلمات وأنت لا تريد أن تدخل البيوت التي بناها الآخرون قبلك
كيف تريد أن تصنع أسلوبك وأنت لا تريد أن ترى أساليب غيرك، وكيف تريد أن تقول شيئا جديدا وأنت لا تسمح لنفسك بأن تعرف ما قيل قبلك
لا يعني هذا أن الكاتب يجب أن يقرأ كل شيء، أو أن يقلد من سبقه أو أن يحفظ الكتب عن ظهر قلب على العكس أحيانا تكون أفضل فائدة للقراءة أن تجعلك تعرف ما الذي تريد أن تقوله أنت لا ما قاله الآخرون ، فالكاتب يقرأ كثيرا ثم ينسى كثيرا ثم يحتفظ في داخله بما يشبهه وبعد ذلك يبدأ صوته الخاص بالظهور
ولهذا أؤمن أن الكاتب لا يكتب فقط بالحبر بل بكل ما قرأه وفكر فيه وشعر به وعاشه
قد لا يظهر أثر كل كتاب قرأه في نصه لكن شيئا من تلك الكتب سيبقى هناك مختبئا بين كلماته في طريقة اختياره لفكرة أو بناء جملة أو وصف شعور أو طرح سؤال
وفي النهاية ربما لا تجعل القراءة كل قارئ كاتبا لكنني أؤمن بشدة أن الكاتب الذي يتوقف عن القراءة يبدأ شيئا فشيئا في نفاد ما لديه ، فالكاتب يحتاج أن يكتب لكي يعبر ، و يحتاج أن يعيش لكي يشعر ، ويحتاج أن يفكر لكي يفهم ، ويحتاج أن يقرأ لكي يجد شيئا يستحق أن يكتب
وربما لهذا السبب لا أرى القراءة بابا يؤدي إلى الكتابة فقط بل أراها الأرض التي تنبت فيها الكتابة أصلا فإذا كانت الكتابة هي صوت الكاتب ، فإن القراءة هي الأصوات الكثيرة التي علمته كيف يجد صوته




