عطلة كبار المسؤولين في الداخل.. من صلة الرحم وخدمة السكان إلى مواسم البذخ والحشد السياسي

الصدى – (تقرير أخباري) : كان يفترض أن تكون عودة كبار المسؤولين إلى مناطقهم وقراهم خلال العطلة الصيفية مناسبة طبيعية لاستعادة الصلة بالمجتمع المحلي، والجلوس إلى السكان، والاستماع إلى مشكلاتهم، والاطلاع عن قرب على أوضاعهم المعيشية والخدمية، بعيداً عن تقارير المكاتب الرسمية ومسافات العاصمة.
لكن المشهد الذي يتكرر في بعض المناطق الداخلية يبدو، في أحيان كثيرة، أبعد من هذه الصورة البسيطة.
حين تتحول عطلة المسؤول من فرصة للاطلاع على أحوال المواطنين إلى مواكب وولائم وحملات سياسية
فبدلاً من عطلة هادئة في مسقط الرأس، تتحول إقامة بعض المسؤولين إلى موسم حافل بالمواكب والسيارات والضيوف والولائم، وتستقطب حشوداً من الوجهاء والفاعلين السياسيين والاجتماعيين، في صورة تجعل العطلة أقرب إلى حملة سياسية مفتوحة منها إلى عودة عائلية أو اجتماعية.
الولائم.. عندما تصبح الضيافة استعراضاً
لا أحد يجادل في مكانة الكرم والضيافة في الثقافة الموريتانية، ولا في حق المسؤول، شأنه شأن غيره، في استقبال أهله وضيوفه.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتجاوز الأمر حدود الضيافة المعقولة إلى مظاهر متكررة من البذخ، تصبح فيها كثرة الولائم وحجمها وعدد الذبائح معياراً للحضور والمكانة.
وتكتسب المسألة بعداً أكثر خطورة في بلد تشكل الثروة الحيوانية إحدى ركائز اقتصاده وثقافته الغذائية. فالاستهلاك المكثف للحوم الحمراء خلال مواسم العطلات والمناسبات السياسية والاجتماعية لا يمثل مجرد فاتورة مالية مرتفعة؛ بل يطرح أيضاً سؤالاً حول استنزاف الثروة الحيوانية نفسها، خصوصاً عندما تتحول الولائم إلى وسيلة للمنافسة الاجتماعية والسياسية.
فما الحاجة إلى كل هذا الاستهلاك؟ وهل أصبح إكرام الضيف يقاس بعدد الذبائح وحجم الموائد؟ وهل يعقل أن تتحول المناسبات السياسية إلى أحد مواسم الضغط الإضافي على الثروة الحيوانية؟
من الوقود إلى اللحوم.. موارد تُستهلك بلا حساب؟
ولا تقتصر مظاهر البذخ على الموائد. فالمواكب والتنقلات بين المدن والقرى والمناطق النائية تعني استهلاكاً متزايداً للوقود، خصوصاً عندما ترافق المسؤولَ سيارات عديدة، أو تتكرر الزيارات لمسافات طويلة.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف.
فالدولة التي تتحدث عن ترشيد الإنفاق، وتعمل في سياقات اقتصادية صعبة على ضبط المصروفات ومواجهة كلفة الطاقة، تحتاج أيضاً إلى أن ترى انعكاس هذه السياسة في سلوك مسؤوليها.
ولا يتعلق الأمر بمنع المسؤول من السفر أو قضاء عطلته في الداخل، فهذا حق شخصي مشروع، وإنما بالسؤال عن حدود استخدام الموارد العامة في نشاط شخصي أو سياسي.
كم سيارة تتحرك؟ كم تستهلك من الوقود؟ ومن يدفع الفاتورة؟
أسئلة بسيطة، لكنها تصبح ضرورية عندما تختلط العطلة الخاصة بالنشاط السياسي، أو عندما تستخدم إمكانات الدولة في غير ما خصصت له.
عطلة أم حملة سياسية؟
الأكثر إثارة للجدل هو أن بعض العطلات تتحول إلى فرصة لإعادة ترتيب العلاقات السياسية أكثر مما تتحول إلى فرصة للاطلاع على أوضاع السكان.
تبدأ اللقاءات بالوجهاء والأعيان، وتتنوع المناسبات، وتُستقبل الوفود، وتقام الولائم، وتبرز المبادرات، وتتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصة لعرض حجم الحضور والحشد.
كل ذلك يمكن أن يكون جزءاً من الحياة الاجتماعية الطبيعية، لكن كثافته وتوقيته يفرضان سؤالاً سياسياً مشروعاً: هل عاد المسؤول إلى قريته ليستمع إلى سكانها، أم عاد ليقيس حجم نفوذه ويعيد بناء شبكته السياسية؟
فالفرق كبير بين مسؤول يجلس مع السكان ليسمع شكواهم بشأن الماء والكهرباء والصحة والتعليم والطرق، ومسؤول يجعل من العطلة مناسبة لاستعراض الحضور واستقبال المؤيدين.
الأول يؤدي وظيفة اجتماعية ووطنية مهمة؛ والثاني يحول العطلة إلى حملة سياسية مبكرة، ولو من دون لافتات انتخابية.
أين المواطن من كل هذا؟
المفارقة أن المواطن الذي يفترض أن يكون محور هذه العودة قد يتحول إلى مجرد جزء من مشهد الاستقبال.
تُلتقط الصور، تُنشر مقاطع الولائم والاستقبالات، ويظهر المسؤول وسط الحشود، لكن الأسئلة الأساسية تظل معلقة: ماذا سمع؟ ماذا سجل؟ ما المشكلات التي نقلها؟ وما الذي يمكن أن يتغير بعد عودته إلى العاصمة؟
فإذا كان المسؤول قد عاد إلى منطقة تعاني من نقص المياه أو تردي الخدمات الصحية أو ضعف الطرق أو البطالة، فإن قيمة الزيارة لا تقاس بعدد المستقبلين ولا بعدد الذبائح، وإنما بما حمله معه من هموم السكان وما استطاع نقله إلى دوائر القرار.
المطلوب.. عودة إلى معنى العطلة
ليس المطلوب إلغاء عطلة المسؤولين، ولا التضييق على حقهم في العودة إلى قراهم ومناطقهم. بل المطلوب، على العكس، إعادة الاعتبار للجانب الإيجابي لهذه العطلات.
ليكن المسؤول قريباً من أهله، وليجلس إلى السكان، وليزر المدارس والمراكز الصحية والأسواق والمشاريع، وليستمع إلى الشباب والنساء والمزارعين والمنمين، وليتعرف بنفسه على ما تغير وما لم يتغير في منطقته.
ولتكن العطلة أيضاً فرصة لدعم السياحة الداخلية والاقتصاد المحلي، لا مناسبة لإهدار الوقود واستنزاف الثروة الحيوانية وإقامة ولائم متلاحقة لا تضيف شيئاً إلى حياة المواطنين.
في بلد يحتاج إلى كل رأس من ثروته الحيوانية، وكل لتر من وقوده، وكل أوقية من موارده، تصبح ثقافة الاعتدال جزءاً من المسؤولية العامة.
وفي النهاية، ليست المشكلة في أن يعود المسؤول إلى قريته، وإنما في ما الذي يفعله هناك.
فإذا عاد ليستمع إلى المواطنين، ويتفقد أحوالهم، ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ويعود إلى العاصمة محملاً بمشاكلهم ومطالبهم، فهذه عطلة لها معنى وطني واجتماعي.
أما إذا تحولت العودة إلى مواكب وولائم وحشود ومناسبات سياسية واستعراض للنفوذ، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً:
هل نحن أمام عطلة مسؤول يعود إلى أهله.. أم أمام موسم سياسي يستهلك المال والوقود والماشية أكثر مما يخدم المواطن؟
إن موريتانيا لا تحتاج إلى مسؤولين يثبتون حضورهم بعدد السيارات والذبائح، بقدر ما تحتاج إلى مسؤولين يثبتون حضورهم بما يحملونه من هموم المواطنين، وما يقدمونه من حلول لمشاكلهم.
مظهر آخر يستحق التوقف .. هيبة المنصب في الصور
ولا تقتصر الملاحظات على مظاهر الإنفاق والاستهلاك، إذ يلفت الانتباه أيضاً تزايد حضور بعض كبار مسؤولي الدولة في صور ومقاطع من مناسبات العطلة، لا تفتقر أحياناً إلى الاحتشام البروتوكولي قبل الأخلاقي الذي يفترض أن يرافق شاغلي المناصب العامة.
فالمسؤول، حين يظهر في فضاء عام، لا يمثل نفسه فقط، وإنما يحمل معه رمزية المؤسسة التي يتولى مسؤوليتها وهيبة الدولة التي ينتمي إليها. ولذلك فإن الإفراط في نشر الصور التي تقدم المسؤول في أوضاع أو مناسبات أو مظهر لا ينسجم مع تقاليد الوظيفة العامة، قد يضعف المسافة الرمزية المطلوبة بين المسؤول وحياته الخاصة، ويحوّل العطلة الشخصية إلى مادة للاستعراض على منصات التواصل الاجتماعي.
المسألة هنا ليست دعوة إلى فرض قيود على الحياة الخاصة للمسؤولين، ولا إلى محاسبتهم على كل صورة تنشر من محيطهم الاجتماعي، وإنما إلى التذكير بأن المناصب العليا لها مقتضياتها البروتوكولية حتى خارج المكاتب. فالتواضع شيء، والتخلي عن مقتضيات الوقار الرسمي شيء آخر؛ والقرب من المواطنين قيمة، لكنه لا يستلزم إسقاط هيبة المنصب.
ولعل المسؤول الذي يحرص على صورته العامة يدرك أن ما ينشره في موسم العطلة لا يبقى في إطار الدائرة العائلية الضيقة، بل يتحول سريعاً إلى صورة عن الإدارة والدولة ونخبها. ومن هنا فإن المطلوب ليس التصنع أو الانفصال عن المجتمع، وإنما الموازنة بين العفوية والوقار، وبين الحياة الخاصة والمسؤولية العامة.




