قيثارة الكبرياء والوفاء: سعاد الصباح.. ولّادة الشعر العربي وأميرة الزمن الجميل/ بقلم:ا. د كريم فرمان

الدكتورة سعاد محمد الصباح ليست مجرد شاعرة كتبت القصيدة، بل هي حالة إبداعية استثنائية، ورمز لكسر الصمت، ومنارة غيرت وجه المشاركة النسائية في بناء المجتمع الثقافي والاجتماعي العربي. إنها المرأة التي حملت في دواخلها اختلاجات الأميرة الأندلسية ولادة بنت المستكفي، ممزوجة بشموخ الكويت وفخر العروبة، لتعزف على أوتار الكلمة لحناً عابراً للأجيال.
كتب : الأكاديمي العراقي البارز ا. د كريم فرمان
عندما اكتب عن الشاعرة الكبيرة د. سعاد الصباح تختلط في دواخلي مشاعر الحب والاعجاب والتبجيل لانسانة عظيمة وشاعرة كبيرة قلما يجود الزمان بمثلها.
ففي تاريخ الشعر العربي المعاصر، ثمة أصوات تمر كالعابرين، وثمة أصوات تحفر مجراها في صخر الوجدان الإنساني لتصبح هي النهر والهوية. الدكتورة سعاد محمد الصباح ليست مجرد شاعرة كتبت القصيدة، بل هي حالة إبداعية استثنائية، ورمز لكسر الصمت، ومنارة غيرت وجه المشاركة النسائية في بناء المجتمع الثقافي والاجتماعي العربي. إنها المرأة التي حملت في دواخلها اختلاجات الأميرة الأندلسية ولادة بنت المستكفي، ممزوجة بشموخ الكويت وفخر العروبة، لتعزف على أوتار الكلمة لحناً عابراً للأجيال.

ثورة الوعي وكسر الصمت المرأة في فكر سعاد الصباح
لم تكن رحلة سعاد الصباح في الحياة والشعر مفروشة بالورود، بل كانت رحلة مواجهة واعية لكسر طوق الصمت المفروض على صوت المرأة العربية. فمن خلال قصائدها رفعت الشاعرة سقف التحدي، مؤكدة أن المرأة ليست هامشاً في كتاب الحياة، بل هي الشريك الأساسي في صياغة حضارة المجتمعات.
حين أنشدت قصيدتها الشهيرة “كن صديقي”، لم تكن تطلب وداً عابراً، بل كانت تؤسس لفلسفة جديدة في العلاقة بين الرجل والمرأة؛ فلسفة تقوم على الندّية، والاحترام، والاعتراف بالآخر ككيان فكري وإنساني كامل، بعيداً عن أطر التبعية والامتلاك. لقد نقلت سعاد الصباح شعر المرأة من خانة “الشكوى الخافتة” إلى فضاء “المواجهة الشجاعة”، لتصبح ملهمة للأجيال المتتابعة من النساء الباحثات عن ذواتهن.
المحطة الأهم: وفاء أبدي لـ “عبدالله المبارك”
في مسيرة كل مبدع محطة كبرى تشكل روحه، وبالنسبة لسعاد الصباح، كان زوجها الراحل الشيخ عبدالله المبارك الصباح هو الوطن، والملاذ، والمحطة الأهم التي غيرت مجرى حياتها. لم يكن الشيخ عبدالله مجرد زوج، بل كان الحاضن لطموحها الأكاديمي والشعري، والداعم الأول لخطواتها.
وقد تجلى البعد الإنساني للشاعرة في أسمى صوره عبر وفائها الأسطوري لهذا الرجل بعد رحيله. فلم تكن مرثياتها له مجرد كلمات رثاء، بل كانت تقديساً لذكرى حب عظيم صمد في وجه الغياب. لقد كتبت عنه بمداد من نور ودمع، معتبرة إياه سندها في معارك الحياة، ومؤكدة في كل مناسبة أن روحه هي الملهم الخفي وراء بقاء قيثارتها مشدودة الأوتار، تنبض بالحب والوفاء الذي عزّ نظيره في هذا الزمن.
رصانة الأكاديمية وعنفوان القصيدة المغناة
يتجلى تميز الدكتورة سعاد الصباح في تلك الثنائية المدهشة بين عقل الأكاديمية الرصين وقلب الشاعرة النابض. فمن جهة، تقف الشاعرة باعتزاز كبير كباحثة ومؤرخة قدّمت للمكتبة العربية دراسات اقتصادية وتاريخية بالغة الأهمية، مثل توثيقها لـ “صقر الخليج: عبدالله المبارك الصباح” وكتاباتها حول تاريخ الكويت الحديث والتنمية الإقليمية، مما جعلها مرجعاً علمياً يُشار إليه بالبنان.
ومن جهة أخرى، تجاوزت قصائدها حدود الجغرافيا والكتب لتدخل وجدان الملايين؛ وحين التقت كلماتها بأشهر وأعظم أصوات الفن العربي—مثل العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ في روائعه، ونجاة الصغيرة في لا تنتقد خجلي الشديد وماجدة الرومي في تحفتها الخالدة “كن صديقي”—تحولت قصائدها إلى أناشيد إنسانية تتردد في كل بيت عربي، لتبرهن أن الكلمة الصادقة هي التي تصنع خلود الأثر الفني.

شهادة للتاريخ: يوم اهتزت جدران جامعة الدول العربية
إن الحديث عن هذه القامة الشامخة لا يكتمل دون استحضار مواقف الكبرياء التي عشناها معها وعاينّاها عن قرب. وأذكر ببالغ الفخر والاعتزاز، يوم حظيتُ بشرف الحضور معها في حفل تكريمها التاريخي بمقر جامعة الدول العربية عام 2005.
حين صعدت الدكتورة سعاد إلى المنصة، وخاطبت مصر الكبيرة، قلب العروبة النابض، بكلمات تنضح بالحب والشموخ والانتماء، اهتزت جدران الجامعة على وقع تصفيق حاد وتقدير منقطع النظير من قادة الفكر والدبلوماسية في مصر والعالم العربي. وفي تلك اللحظة الاستثنائية التي وثقها التاريخ في قلبي، انحنى معالي عمرو موسى، الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، وهمس في أذني بكلمات لا تنساها الذاكرة: “هذه آخر كبار الشعر العربي.. تستحق أن أحييها.. بالكبيرة!”؛ شهادة حق من رجل خبر عمالقة الأمة، لتلخص مكانة شاعرة لا تتكرر.
سعادالصباح قامة لا تنحني
إن الحديث عن الدكتورة سعاد الصباح هو حديث عن آخر كبار الشعر العربي، وآخر الحراس الواقفين على ثغور الكلمة الطيبة والقصيدة المترعة بالأصالة. إنها اللحن المتبقي من زمن العمالقة الجميل، والشاهدة الحية على أن الشعر العربي ما زال بخير ما دام ينبض في عروقها.
يا قيثارة العروبة ورمز شموخ الكويت، إنكِ لم تكتبي الشعر فحسب، بل كتبتِ بكيانكِ وتاريخكِ ووفائكِ ملحمة وجودية ستظل الأجيال تتلوها بكبرياء. ستبقين كما كنتِ في ذلك اليوم المجيد عام 2005، وكما ستظلين دائماً: أميرة الحرف، وسيدة الموقف، والمنارة التي لا تنطفئ، لتؤكدي للعالم أجمع أن الشعر العربي العظيم قد يمر بوعكات، لكنه لا يموت أبداً ما دامت سعاد الصباح تتنفسه كبرياءً ووفاءً وإبداعاً!




