واشنطن وطهران و رهان اختبار القوة.. هرمز يتحول إلى ورقة الحسم في مواجهة مفتوحة
الصدى – (إعداد : قسم التقارير الدولية)
دخل الملف الأميركي–الإيراني مرحلة جديدة أكثر خطورة، مع انتقال المواجهة من الضغط السياسي والعقوبات الاقتصادية إلى صدام مباشر حول حركة الملاحة والطاقة في الخليج، فيما تتراجع فرص العودة السريعة إلى تسوية شاملة، من دون أن يعني ذلك إغلاق الباب أمام الدبلوماسية.
وتشير أحدث المعطيات التي أوردتها وكالتا رويترز وأسوشيتد برس إلى أن الولايات المتحدة تكثف الضغط على إيران عبر العقوبات والحصار البحري واستهداف ناقلات النفط، بينما ترد طهران بتهديد المصالح الأميركية والإقليمية، وتستعد لإعلان منطقة بحرية مقيدة قرب مضيق هرمز.
وتبدو معركة هرمز في الوقت الراهن مركز الثقل الجديد للأزمة. فقد أفادت رويترز بأن حركة سفن السلع عبر المضيق تراجعت إلى أدنى مستوى منذ مايو، بمتوسط يقارب عشر سفن يومياً خلال الأيام العشرة الأخيرة، بعدما شهدت المنطقة سلسلة هجمات متبادلة على ناقلات وسفن مرتبطة بالطرفين.
ضغط أميركي متصاعد
تراهن واشنطن على تفوقها العسكري والاقتصادي لإجبار طهران على تقديم تنازلات جوهرية. ويجمع النهج الأميركي بين الضربات العسكرية، وخنق صادرات النفط، وتشديد العقوبات وملاحقة قنوات الالتفاف عليها. وتقول رويترز إن الضغوط بدأت تؤثر بصورة ملموسة في الاقتصاد الإيراني، بعدما تعطلت صادرات النفط عبر هرمز لفترة غير مسبوقة.
وتملك الولايات المتحدة نقاط قوة يصعب على إيران موازنتها، أبرزها التفوق الجوي والبحري، والقدرات الاستخباراتية والتكنولوجية، والدور المحوري للدولار والنظام المالي الأميركي، فضلاً عن شبكة واسعة من الحلفاء والقواعد العسكرية في المنطقة.
لكن واشنطن تواجه في المقابل كلفة متزايدة. فقد ارتفعت أسعار النفط إلى نحو 97 دولاراً للبرميل، فيما وصلت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية خلال عطلة عيد العمال، وهو ما يمنح الأزمة بعداً داخلياً حساساً للإدارة الأميركية.
طهران تراهن على عامل الوقت
أما إيران، فتدخل المواجهة وهي تدرك محدودية قدرتها على منافسة الولايات المتحدة في حرب تقليدية مفتوحة، لكنها تمتلك أوراقاً أخرى أكثر ملاءمة لطبيعة الصراع.
في مقدمة هذه الأوراق مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، إلى جانب القدرة على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتهديد الملاحة والمنشآت النفطية، وتوسيع نطاق المواجهة عبر الحلفاء والشركاء الإقليميين.
كما أن استمرار صمود القيادة الإيرانية، رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية، يمثل في حد ذاته رصيداً سياسياً لطهران. وتلفت أسوشيتد برس إلى أن الإدارة الأميركية، بعد أشهر من الحرب، بدأت تعدّل أولوياتها، بحيث أصبح تأمين هرمز وتداعياته الاقتصادية هدفاً مركزياً إلى جانب الملف النووي.
إلى أين تتجه الأزمة؟
المشهد الراهن لا يوحي بانتصار حاسم لأي من الطرفين. فالولايات المتحدة نجحت في رفع كلفة الحرب على إيران وشل جزء مهم من قدرتها على تصدير النفط، لكنها لم تتمكن من إنهاء قدرة طهران على الرد أو فرض تسوية سياسية نهائية. وفي المقابل، تستطيع إيران إرباك الملاحة ورفع كلفة الطاقة وإطالة أمد المواجهة، لكنها تدفع ثمناً اقتصادياً وعسكرياً بالغاً.
وبذلك تبدو الأزمة أقرب إلى حرب استنزاف متبادلة: واشنطن تراهن على الاقتصاد والقوة العسكرية، وطهران تراهن على الجغرافيا والممرات البحرية والقدرة على تحمل الضغوط.
والسؤال الحاسم في المرحلة المقبلة لن يكون فقط: من يستطيع توجيه الضربة الأقوى؟ بل من يستطيع تحمل كلفة المواجهة لفترة أطول دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة؟ ومع اقتراب النفط من عتبة 100 دولار، وتراجع حركة الملاحة في هرمز، يبدو أن هامش الخطأ لدى الطرفين بات أضيق من أي وقت مضى.




