أسد لوشة وسيف غرناطة الأخير : القائد الذي خلده أعداؤه ونسيه قومه / كتب : ا.د كريم فرمان

بقي السؤال يدور في ذهني وانا اتابع سيرة هذا البطل العربي الاسطوري لماذا لا تذكر مناهجنا الدراسية سيرة اولئك الابطال وان ذكرتهم فهي تذكرهم بسطر واحد على استحياء مثلما تتكلم بتفصيل كبير عن ماذا فعل هولاكو في بغداد من فضائع ولا تتحدث عن خيانة ابن العلقمي للخليفة العباسي الا بايجاز ولا تذكر ان العلقمي وضع إستراتيجية لاضعاف مركز الخلافة قبل سنوات ونصح الخليفة بتسريح الجند ضغطا للنفقات ثم تواصل سرا مع التتر !! ( البطولة تفرض احترامها)
غروب شمس الأندلس
في أواخر القرن الخامس عشر، وبينما كانت شمس الإسلام في الأندلس تغرب وسط دوامات الخيانة، وانقسام ملوك الطوائف، وصراع العائلات الحاكمة على كراسي زائلة، برز رجل لم يبع دينه وعرضه بالدنيا. إنه إبراهيم بن علي العطار، والي مدينة لوشة وقائد جيش غرناطة. رجل عاش من أجل عقيدته ومات وسيفه في يده، ليجبر أعتى الملوك الكاثوليك على الانحناء احتراماً لذكراه، في مفارقة تاريخية عجيبة حفظت سيرة البطل الذي أهمله بنو جلدته.
من تجارة التوابل إلى ذروة المجد العسكري
ولد إبراهيم العطار في القرن الخامس عشر لعائلة أندلسية متواضعة تعمل في تجارة التوابل والبطانة. لم يكن وريثاً لملك أو إمارة، لكن بأس وشجاعة وحنكة هذا الشاب جعلته يتدرج سريعاً في الرتب العسكرية بمملكة غرناطة (آخر معاقل المسلمين). نظراً لعبقريته القتالية وإخلاصه، ولاه السلطان أبو الحسن علي حكم مدينة لوشة الثغرية الحصينة عام 1462م. فتحولت لوشة تحت قيادته إلى صخرة صلبة تحطمت عليها أطماع الممالك النصرانية (قشتالة وأرغون) لسنوات طويلة.
جهاد بالمال والنفس ومصاهرة ملكية
لم يكن العطار مجرد قائد عسكري، بل كان مشروع مقاومة متكامل:
* التضحية بالثروة: أنفق العطار كل ما يملك من أموال وثروة تجارته في تجهيز الجيش، وتحصين أسوار مدينة لوشة، وشراء السلاح. حتى إن المؤرخ الإسباني “لا فوينتي ألقنطرة” ذكر في كتبه: “إن عليَّ العطار لم يجد في عرس ابنته مريمة ما يجهزها به سوى ملابس وجواهر مستعارة”، وذلك لأنه أنفق ماله كله في سبيل الله والدفاع عن الأندلس.
* المصاهرة الملكية: ترينت علاقته بالأمير أبي عبد الله الصغير (آخر ملوك غرناطة) الذي تزوج من ابنة العطار “مريمة”، لتصبح ابنة هذا التاجر المجاهد آخر ملكات الأندلس.
ملحمة لوشة الأولى 1482م تدمير كبرياء الملوك الكاثوليك
كانت مدينة لوشة تُلقب بـ “مفتاح غرناطة”؛ فمن يسيطر عليها يفتح الطريق لقلب العاصمة الأندلسية. في صيف عام 1482م، تحرك الملك الكاثوليكي “فرديناند الثاني” بجيش جرار هائل يضم صفوة فرسان قشتالة وأرغون، مزودين بأحدث المدفعية الأوروبية، ونزلوا عند أسوار لوشة ظانين أن إسقاطها مسألة ساعات.
هنا تجلت عبقرية الشيخ الثمانيني إبراهيم العطار:
1. خديعة الوادي المفتوح: استغل العطار طبيعة الأرض الجبلية المحيطة بلوشة وبساتينها الكثيفة. تظاهر بالانسحاب وترك دفاعات المدينة الأمامية ضعيفة لإغراء فرسان قشتالة بالتقدم.
2. الكمين القاتل: انقض الفرسان القشتاليون في اندفاع أعمى نحو الوادي، وعندها أعطى العطار إشارته، فخرج آلاف المقاتلين الأندلسيين من بين الأشجار وخلف الصخور، ليحيطوا بالجيش الصليبي إحاطة السوار بالمعصم.
3. فرار الملك فرديناند: تحولت المعركة إلى مجزرة مروعة للجيش الغازي. قُتل المئات من كبار قادة الجيش الإسباني (وعلى رأسهم الوالي القشتالي رودريغو تيليدون)، وأُصيب الرهبان والفرسان بالذعر، واضطر الملك فرديناند لرفع الحصار والفرار ليلاً تحت جنح الظلام ذليلاً كسيراً، تاركاً خلفه خيامه ومدافعه وأمواله غنيمة للمسلمين. كانت هذه واحدة من أقسى الهزائم في تاريخ الملوك الكاثوليك.
معركة لوشة الثانية ولوسينا (1483م): المحطة الأخيرة في حياة الأسد
لم يستسلم القشتاليون، وعادوا لحصار المدينة مجدداً في العام التالي مستغلين الانقسام الداخلي الحاد في غرناطة بين السلطان وأبنائه. دافع العطار عن مدينته باستماتة، ولكي يخفف الضغط عنها، خطط لعملية هجومية جريئة تهدف إلى ضرب العمق الإسباني في مدينة لوسينا (اليسانة) لتشتيت جيش العدو.
خرج العطار ومعه صهره الملك الشاب أبو عبد الله الصغير في قوة فرسان محدودة. لكن الحظ لم يحالفهم، وعلم الإسبان بالتحرك فأنفذوا جيشاً ضخماً لحصار القوة الأندلسية:
* الصمود حتى النفس الأخير: حوصر المسلمون، وحاول أبو عبد الله الصغير التراجع، لكن إبراهيم العطار (الذي كان قد قارب الثمانين من عمره) رفض التراجع أو الاستسلام قط. تذكر الروايات التاريخية الموثقة أنه وقف مع مئة فقط من فرسانه المخلصين في قلب المعركة.
* استشهاد البطل: قاتل العطار ببسالة أسطورية لعدة ساعات صامداً أمام الأمواج البشرية، ممتشقاً سيفه وموقعاً عشرات القتلى في صفوف الأعداء، حتى سقط شهيداً مضرّجاً بدماء الشرف في أرض المعركة عام 1483م . وفي ذات المعركة، أُسِر صهره أبو عبد الله الصغير، وكانت هذه الحادثة البداية الفعلية للعد التنازلي التام لسقوط غرناطة عام 1492م.
متى وضع له الإسبان تمثالاً تذكارياً؟
تقديراً لفروسيته وشجاعته النادرة، وضعت بلدية مدينة لوشة (Loja) الإسبانية تمثالأ تذكارياً برونزياً لإبراهيم العطار في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين (تحديداً عام 2004م).
* وصف التمثال: نحته الفنان الإسباني الشهير “خوسيه باتريسيو تورو”، ويقع النصب بجوار برج القصبة التاريخي في لوشة. يُصوّر التمثال الفارس المسلم واقفاً بكبرياء وحزن، وقدمه راسخة على الأرض، ونظرته متجهة نحو الأفق كأنه يحرس مدينته للأبد.
* سيف العطار الأسطوري: لم يكتفِ الإسبان بالتمثال، بل احتفظوا بسيفه الذي استولوا عليه في المعركة كغنيمة حرب كبرى وعلامة على قهر خصم عنيد . السيف يُعد اليوم آية من آيات الفن الإسلامي (مصنوع من الصلب المطلي بالذهب والمرصع بالعاج والأحجار الكريمة)، ويُعرض حالياً في متحف الجيش بمدينة طليطلة (Alcázar de Toledo) كرمز للبطولة الفائقة.
أبرز ما قاله الأعداء والمؤرخون عن إبراهيم العطار
طوال القرون الماضية، تبارى المؤرخون والخصوم الإسبان في الثناء على شخصية العطار، وجاء في شهاداتهم:
1. الوصف في الوثائق الرسمية المعاصرة له:
وصفته الوثائق القشتالية المعاصرة لحرب غرناطة بـ “القائد الأسطوري” (El alcaide legendario)، وأطلقت عليه لقب “صاحب اللحية البيضاء الشامخة”، حيث أبهرهم صمود الشيخ الثمانيني في أرض المعركة وقدرته على قيادة الفرسان وإثارة الرعب في قلوب الشباب من فرسان الكاثوليك.
2. المؤرخ الإسباني “مانويل فرنانديز”:
قال في قراءة تاريخية عنه: “كان إبراهيم العطار يمثل الأندلس كلها في شجاعته وصموده، لم يكن مجرد والي مدينة، بل حارس حلمٍ آخذٍ بالانطفاء”.
3. نقاد الفن والتاريخ الإسبان عند تدشين تمثاله:
قال أحد النقاد الإسبان واصفاً هيئة تمثاله الحالية: “العطار يظهر في وقفة متحدية تجمع بين الحزم والحزن، قدمه راسخة على أرض أقسم أن يدافع عنها، وعينه تتطلع نحو أفق يتلاشى فيه عالمه… درعه لا يحميه فقط، بل يُجسد أيضًا العبء العاطفي لنضاله الشريف”.
الخلاصة: درس من التاريخ مستلهم من عبره!!
إن قصة إبراهيم العطار تختصر معادلة تاريخية واضحة: التاريخ قد يكتبه المنتصر، لكن البطولة الحقيقية تجبر المنتصر على احترامها وتخليدها. لقد نسيت المناهج العربية اسم العطار طويلاً وانشغلت ببكائيات السقوط ونحيب ملوك الطوائف،فلم تخلد مناهجنا ملحمة بطولة العطار ورسخت لدينا فقط مقولة ام عبدالله الصغير المدسوسة زورا ابك كالنساء على ملك لم تصنه كالرجال ،والذي اثبت في مقال منشور في هذه الصحيفة عدم صحتها مطلقا بالدليل العلمي مثلما اثبت الباحثون المغاربة بالدليل العلمي والمنطقي عدم صحة خطبة الفاتح الكبير طارق بن زياد العدو أمامكم والبحر من وراءكم !! لكن المؤلم أن إبراهيم العطار عدوه الذي حاربه بالحديد والنار لم يجد بداً من تخليد ملامحه وسيفه، ليعلم العالم أن الأندلس لم تسقط لأنها عَقِمت عن إنجاب الأبطال، بل لأن الخيانة الداخلية كانت أسرع إلى هدم القلاع من سيوف ومدافع الغزاة.




