أخبار موريتانياالأخبارتحقيقات

الفشل الكلوي في موريتانيا.. مرضى يموتون بصمت.. فمتى تتحمل الدولة مسؤوليتها ؟

مأساة صحية تستحق أن تخرج من صمت غرف الغسيل إلى صدارة أجندة الدولة والمجتمع.

الصدى -( تقرير إخباري)- ليس هناك كثير من الأمراض التي تجعل الإنسان ينتظر تشغيل جهاز كما ينتظر المريض المصاب بالفشل الكلوي جهاز التصفية. فبالنسبة إليه، الغسيل ليس موعداً طبياً يمكن تأجيله، ولا خدمة يمكن تعويضها لاحقاً؛ إنه جزء من معركة يومية للبقاء.

 

في موريتانيا، يعيش مرضى الفشل الكلوي هذه المعركة وسط منظومة صحية تعاني من محدودية الموارد، وأجهزة تحتاج إلى الصيانة والاستبدال، وضغط متزايد على مراكز التصفية. وقد تحدثت مصادر صحية وإعلامية خلال السنوات الماضية عن ارتفاع أعداد المرضى، إذ أشارت تصريحات رسمية إلى تسجيل نحو 240 إصابة جديدة سنوياً، فيما قُدّر عدد المرضى بنحو 1200 شخص.

لكن وراء الأرقام وجوهاً وقصصاً لا تظهر في البيانات الرسمية.

 

حين يتعطل الجهاز

 

المشكلة ليست في وجود أجهزة التصفية فقط، بل في قدرتها على العمل بصورة منتظمة وآمنة. فالمريض الذي يحتاج إلى جلسات متكررة لا يعنيه أن يكون الجهاز موجوداً في المستشفى إذا كان خارج الخدمة، أو إذا كان عدد الأجهزة لا يتناسب مع أعداد المرضى، أو إذا غابت الصيانة وقطع الغيار.

 

وقد سبق أن خرج مرضى للاحتجاج على نوعية أجهزة التصفية ومشكلات مرتبطة بالخدمة، بما يكشف أن أزمة الغسيل ليست مجرد نقص عددي، وإنما قضية تتعلق بجودة المنظومة واستمراريتها.

 

والأخطر أن أي خلل في هذه السلسلة يضع المريض أمام سؤال مخيف: ماذا يحدث إذا لم أحصل على جلستي في موعدها؟

 

الدولة تدعم.. لكن هل الدعم يكفي؟

 

لا يمكن إنكار أن الدولة تتحمل جانباً من تكاليف علاج مرضى الفشل الكلوي، وأن خدمات التصفية متاحة في عدة مدن، كما أعلنت السلطات الصحية سابقاً عن تجهيزات وأجهزة جديدة.

لكن الدعم المالي وحده لا يصنع منظومة ناجحة، المريض يحتاج إلى جهاز يعمل، ومياه معالجة، ومستلزمات متوفرة، وكهرباء مستقرة، وكادر متخصص، وأدوية، وصيانة فورية، ومتابعة طبية مستمرة. وأي حلقة مفقودة في هذه السلسلة قد تعيد المريض إلى نقطة الخطر.

 

جمعية مرضى الفشل الكلوي .. صوت من داخل المعاناة !!

 

وفي ظل هذه الظروف، برزت جمعية مرضى الكلى، برئاسة المصطفى السالك ولد احمادي، باعتبارها أحد الأصوات المدنية التي تحاول نقل معاناة المرضى من غرف التصفية إلى الفضاء العام.

 

وتنظم الجمعية وقفات واحتجاجات متواصلة للفت انتباه السلطات والرأي العام إلى أوضاع مرضى الفشل الكلوي، والمطالبة بتحسين ظروف التكفل بهم، رغم أن كثيراً من المشاركين فيها يخوضون هذه التحركات وهم أنفسهم يعيشون ظروفاً صحية بالغة الصعوبة.

 

وتستحق هذه الجهود الإشادة، لأن مطالبة المريض بحقه وهو يكابد المرض ليست مهمة سهلة؛ فهؤلاء لا يحتجون من موقع القوة، وإنما من موقع الحاجة، ولا يملكون في كثير من الأحيان سوى أصواتهم لطرح قضيتهم أمام المسؤولين.

 

والأهم أن نشاط الجمعية يضع الدولة أمام مسؤولية أكبر: حين يضطر المرضى أنفسهم إلى النزول إلى الشارع للمطالبة باستمرارية العلاج، فهذا مؤشر يستحق التوقف عنده ومراجعته بجدية، فهم في الحقيقة وهذا مؤلم جدا لا يطالبون بالعلاج انهم يطالبون الحياة 

 

الموت الذي لا يظهر في جدول

 

الأكثر إثارة للقلق هو غياب نشر دوري وشفاف من طرف الجهة الوصية لعدد الوفيات بين مرضى الفشل الكلوي وأسبابها، بما يسمح للرأي العام بمعرفة الحجم الحقيقي للمشكلة.

 

هل يموت المرضى بسبب تطور المرض وحده؟ أم تتداخل معه صعوبات الوصول إلى العلاج، وتأخر الجلسات، والأمراض المصاحبة، ونقص الأدوية؟ وما عدد المرضى الذين فقدوا حياتهم خلال السنوات الأخيرة؟ 

 

هذه أسئلة لا ينبغي أن تبقى بلا إجابة.

ترد جمعية مرضى الفشل الكلوي والامراض المزمنة بكل وضوح وبلغة الارقام الصادمة على هذه الأسئلة ، و لكن السلطات المعنية لا تتعاطي مع هذه الارقام المفزعة ، ولا تقدم رؤية لأسباب الانتشار المريع للمرض و تطرح خطة وضحة المعالم لمعالجة المصابين ورعايتهم صحيا واجتماعيا 

وما يجب أن يدركه الجميع خاصة صناع القرار أن الموت في هذه الحالة ليس رقماً عابراً؛ خلف كل اسم أسرة فقدت أباً أو أماً أو ابناً، وربما عائلة أنهكتها سنوات العلاج والتنقل والانتظار.

 

من المسؤول؟

 

يمكن الرد على هذا السؤال بكل بساطة وهو أن المسؤول الأول والأخير عن معاناة مرضى الفشل الكلوي هي وزارة الصحة ، ولكن  «الصدى» لا تتطرح هذا السؤال لتلصق تهمة التقصير بأي كان خاصة أنه تقصير تترتب عليه حياة أو موت ، وبكل تأكيد لا يتحمل الفنيون والاطباء في المشافي والمراكز الصحية مسؤولية اختلالات قد تكون أكبر من إمكاناتهم. السؤال الحقيقي موجه إلى السياسة الصحية نفسها: هل تمتلك موريتانيا خطة وطنية طويلة الأمد لمواجهة الفشل الكلوي، أم أن التعامل مع المرض ما يزال محصوراً في توفير جلسات الغسيل كلما ارتفع الضغط؟

 

المطلوب اليوم ليس حملة موسمية ولا جهازاً جديداً هنا أو هناك، وإنما خطة وطنية معلنة تتضمن قاعدة بيانات وطنية للمرضى، وإحصاءً دقيقاً للوفيات، وتقييماً فنياً لكل أجهزة التصفية، وبرنامجاً دائماً للصيانة والاستبدال، وضمان مخزون المستلزمات والأدوية، وتوسيع مراكز الغسيل، والاستثمار الجدي في الوقاية والتشخيص المبكر، وصولاً إلى زراعة الكلى.

 

نداء إلى الدولة والمجتمع

 

مرضى الفشل الكلوي ليسوا رقماً في موازنة الصحة، ولا عبئاً على المستشفيات، ولا حالات اجتماعية تنتظر الصدقة، إنهم مواطنون أصبح جهاز صغير جزءاً من شريان حياتهم.

 

وحين يتعطل الجهاز، لا يتعطل موعد طبي فحسب؛ قد يتعطل أمل إنسان في الحياة.

لهذا فإن السؤال الذي تطرحه «الصدى» اليوم ليس: كم جهازاً لدينا؟

بل: كم مريضاً تستطيع هذه الأجهزة أن تنقذ بانتظام، وكم مريضاً لا يزال ينتظر دوره في منظومة لا تحتمل الانتظار؟

إنها مأساة صحية تستحق أن تخرج من صمت غرف الغسيل إلى صدارة أجندة الدولة والمجتمع.

وفي مقدمة من يجب أن يسمعوا هذا النداء: الدولة، لأنها لا تملك فقط مسؤولية تمويل العلاج، بل مسؤولية ضمان استمراره، وصيانة منظومته، وحماية حياة من أصبح بقاؤهم معلقاً بجهاز غسيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى