الأخبارمقالات و تحليلات

التحول في موريتانيا: لماذا تحتاج البلاد إلى قيادة مدنية إصلاحية وذات مصداقية؟ / بقلم : عبد العزيز دم

الاستاذ عبد العزيز دممع دخول الغاز البحري مرحلة إعادة رسم آفاق الاقتصاد الموريتاني، تواجه البلاد أحد أهم تحدياتها التاريخية: إنجاح الانتقال من نموذج سياسي هيمنت عليه المؤسسة العسكرية إلى دولة قانون جمهورية تستند إلى مؤسسات مدنية قوية وشفافة.

مقال رأي – عبد العزيز ديمي

ترجمة : الصدى / نقلا عن موقع : rapideinfo.mr

تمر موريتانيا بمرحلة مفصلية. فبعد نحو نصف قرن اتسم بتغلب الحضور العسكري في ممارسة السلطة، منذ انقلاب عام 1978 على الرئيس المختار ولد داداه وصولاً إلى الإطاحة بالرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله عام 2008، تمتلك البلاد اليوم مقومات اقتصادية وجيوسياسية مهمة، لكنها لا تزال تواجه تحديات مؤسسية واقتصادية واجتماعية عميقة.

ولم يعد السؤال، في نظر الكاتب، يقتصر على احتمال ظهور مدني «صاحب رؤية»، بل على قدرة الطبقة السياسية والقوى الحية في المجتمع على توفير الشروط التي تسمح بقيادة مدنية قادرة على الإصلاح وتحظى بالمصداقية.

إرث سياسي مثقل بالحضور العسكري

يتسم التاريخ السياسي الموريتاني الحديث بتعاقب الأنظمة العسكرية ومراحل انتقال لم تكتمل.

فقد أُطيح بأول رئيس للبلاد، المختار ولد داداه، عام 1978 من قبل لجنة عسكرية، لتدخل البلاد مرحلة أصبح فيها انتقال السلطة يتم غالباً داخل دوائر المؤسسة العسكرية.

وفي 2008، أُطيح بالرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، الذي انتُخب في انتخابات تعددية، على يد رئيس أركان جيشه آنذاك الجنرال محمد ولد عبد العزيز.

ويرى الكاتب أن هذا المسار ترك آثاراً مستمرة على الحياة السياسية، من بينها ترسيخ دور المؤسسة العسكرية كطرف مؤثر في المجال السياسي، وضعف موازين القوى بين مؤسسات الدولة، فضلاً عن استمرار إشكالات تتعلق بالمساءلة ومكافحة الفساد.

وقد شهدت السنوات الأخيرة إصلاحات في مجالات الحوكمة ومكافحة الفساد، إلى جانب إنشاء مؤسسات واعتماد قوانين تتعلق بالشفافية والأحزاب السياسية.

غير أن الكاتب يرى أن استقلال القضاء لا يزال بحاجة إلى مزيد من التعزيز، مشيراً إلى تركيبة المجلس الأعلى للقضاء ودور السلطة التنفيذية فيه باعتبارهما من المسائل التي تستدعي، في رأيه، مزيداً من الإصلاح.

ثروة متزايدة واقتصاد يحتاج إلى التنويع

تمتلك موريتانيا موارد طبيعية مهمة تشمل خام الحديد والذهب والنحاس والثروة السمكية، إضافة إلى الغاز البحري، ولا سيما مشروع السلحفاة الكبرى آحميم «GTA» المشترك مع السنغال.

وبدأت البلاد إنتاج الغاز في عام 2025، فيما يُنتظر أن يعزز القطاع النشاط الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.

لكن الكاتب يحذر من استمرار الاعتماد الكبير على القطاعات الاستخراجية، مشيراً إلى أن الصناعات الاستخراجية تمثل، وفق المعطيات التي يستند إليها، نحو 19% من الناتج المحلي الإجمالي وتشكل حصة مهمة من الصادرات.

كما يلفت إلى الضغوط التي تواجه قطاع الصيد، الذي يساهم، بحسب المقال، بنحو 10% من الناتج المحلي و23% من الصادرات ويوفر أكثر من 50 ألف فرصة عمل، في وقت تهدد فيه الضغوط على المخزون السمكي استدامته.

ويشير كذلك إلى تباطؤ النمو الاقتصادي إلى 4.2% عام 2025، مع استمرار تحديات البطالة، خصوصاً بين الشباب والنساء، وضعف نمو الإنتاجية.

ومن هنا يدعو الكاتب إلى استثمار عائدات الغاز والمعادن في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً، بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام.

ما المطلوب من القيادة المدنية؟

يرى الكاتب أن القيادة المدنية المطلوبة لا ينبغي أن تختزل في شخصية كاريزمية، وإنما في مشروع إصلاحي متكامل يقوم على مؤسسات قوية ومساءلة واضحة.

إصلاح القضاء وترسيخ دولة القانون

يقترح تعزيز استقلال القضاء من خلال مراجعة تركيبة المجلس الأعلى للقضاء وآليات عمله، وتطوير تكوين القضاة وحمايتهم، وتفعيل قوانين مكافحة الفساد والتصريح بالممتلكات، مع توفير الموارد اللازمة للمؤسسات المختصة.

تعزيز الرقابة المدنية على المؤسسة العسكرية

لا يدعو المقال إلى إضعاف الجيش، بل إلى ترسيخ دوره كمؤسسة وطنية محترفة بعيدة عن التجاذبات السياسية.

وفي هذا السياق، يقترح تعزيز الرقابة المدنية والبرلمانية على القوات المسلحة، ورفع مستوى الشفافية في الميزانيات، والحد من الأدوار السياسية المباشرة أو غير المباشرة لكبار الضباط، مع مواصلة تطوير قدرات الجيش واحترام حقوق الإنسان.

تحويل الثروة إلى قيمة مضافة

يشدد الكاتب على ضرورة إدارة عائدات الغاز والمعادن وفق قواعد واضحة للادخار والاستثمار والاستقرار المالي، وتطوير صناعات محلية مرتبطة بالموارد الطبيعية.

ويشمل ذلك تصنيع المنتجات السمكية، وتطوير المناولة والخدمات المرتبطة بالتعدين والطاقة، والاستثمار في التعليم والتكوين المهني والصحة والحماية الاجتماعية، بما يتيح تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل وتنمية أوسع.

مجتمع مدني ومؤسسات خاضعة للمساءلة

ويرى المقال أن الإصلاح لا يمكن أن ينجح من دون مشاركة مجتمعية حقيقية، داعياً إلى حماية حرية الصحافة وحق التنظيم، وتعزيز دور المجتمع المدني في صياغة السياسات العامة ومراقبة تنفيذها.

كما يدعو إلى ترسيخ ثقافة المساءلة، بحيث يخضع المسؤولون للتقييم والمحاسبة أمام المواطنين والمؤسسات.

بين فرصة الغاز وتحدي الدولة

يخلص الكاتب إلى أن موريتانيا تقف أمام فرصة اقتصادية مهمة بفضل مواردها الطبيعية وموقعها الجيوستراتيجي وثروتها البشرية، لكن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب، في نظره، إصلاحاً مؤسسياً يواكب التحول الاقتصادي.

ويحذر من أن استمرار الاعتماد على الريع وشبكات المصالح قد يحد من قدرة البلاد على تحويل مواردها إلى تنمية مستدامة، داعياً النخب السياسية والاقتصادية إلى الاختيار بين إدارة الوضع القائم وبناء مؤسسات أكثر قوة وشفافية.

كما يحمل المجتمع الدولي والشركاء الاقتصاديين دوراً في دعم الإصلاحات المرتبطة بدولة القانون والشفافية المالية وحقوق الإنسان، معتبراً أن الاستقرار المستدام لا ينفصل عن قوة المؤسسات وقدرتها على ضمان المساءلة.

وفي المحصلة، لا يطرح المقال فكرة «المنقذ» الفردي، وإنما يدعو إلى بناء بيئة سياسية ومؤسسية تسمح بظهور قيادة مدنية إصلاحية قادرة على إدارة مرحلة جديدة في تاريخ موريتانيا.

 

للقراءة من المصدر : rapideinfo

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى