سباق الشركات العملاقة على «عقل العالم» يفتح معركة البيانات.. ودعوات لميثاق أخلاقي عالمي
الصدى – تقرير خاص/
لم تعد معركة الذكاء الاصطناعي مجرد سباق تقني بين شركات تبحث عن نموذج أكثر ذكاءً وسرعة، بل تتجه تدريجياً إلى منافسة على البيانات، والقدرة الحوسبية، والمعرفة، والنفوذ الاقتصادي والإعلامي. ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة اليومية، تتصاعد في المقابل أصوات عالمية تحذر من أن ترك تطوير هذه التكنولوجيا لقوى السوق وحدها قد يؤدي إلى تركّز قدرات استثنائية في أيدي عدد محدود من الشركات.
وفي هذا السياق، يطرح «إعلان الذكاء الاصطناعي المؤيد للإنسان» رؤية تدعو إلى أن تظل التكنولوجيا في خدمة الإنسان، وتحذر من تطوير أنظمة شديدة الاستقلالية من دون ضمانات كافية للسلامة والرقابة والمساءلة. كما يلفت الإعلان إلى مخاطر فقدان الوظائف، والتضليل والتزييف العميق، وانتهاك الخصوصية، والتحيز الخوارزمي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في الإضرار بالأفراد والمجتمعات.
المعركة الحقيقية: البيانات
قد يكون الخطر الأكثر واقعية في المرحلة الراهنة أقل ارتباطاً بسيناريوهات «تمرد الآلة» وأكثر اتصالاً بسؤال بسيط لكنه بالغ الأهمية: من يملك البيانات التي يتعلم منها الذكاء الاصطناعي؟
فالأنظمة المتقدمة تحتاج إلى كميات هائلة من البيانات وقدرات حوسبة ضخمة واستثمارات كبيرة. ومن يملك هذه الموارد يمتلك قدرة متزايدة على تطوير نماذج أكثر قوة، وبالتالي على التأثير في الاقتصاد والإعلام والتعليم والبحث العلمي والخدمات.
وهنا تبرز مخاوف من أن يؤدي احتدام المنافسة بين شركات التكنولوجيا العملاقة إلى تركّز البيانات والبنية التحتية والخبرة في عدد محدود من الفاعلين، بما قد يمنحهم نفوذاً يتجاوز حجمهم الاقتصادي التقليدي.
هل الخوف مبالغ فيه؟
بعض التحذيرات المطروحة تنتمي إلى المستقبل، ولا توجد أدلة تسمح بالتعامل معها باعتبارها نتائج حتمية. لكن ذلك لا يعني أن المخاطر الحالية غير حقيقية.
فالتزييف العميق والمعلومات المضللة، وانتهاكات الخصوصية، والتحيز في الخوارزميات، والتغيرات التي تطرأ على سوق العمل، كلها قضايا قائمة بالفعل. وفي المقابل، فإن الذكاء الاصطناعي يوفر فرصاً هائلة في الطب والتعليم والعلوم والصناعة والإعلام، ويساعد على تحليل كميات ضخمة من المعلومات وتسريع البحث العلمي وأتمتة الأعمال الروتينية.
وفي غرف الأخبار، يمكن أن يكون أداة قوية للبحث والترجمة وتحليل البيانات وتفريغ المقابلات، شرط ألا يتحول إلى بديل عن التحقق الصحفي والحكم المهني.
العالم بحاجة إلى قواعد مشتركة
مع اتساع الفجوة بين سرعة التطور التكنولوجي وبطء التشريعات، تبدو الحاجة increasingly إلى ميثاق أخلاقي عالمي للذكاء الاصطناعي، لا يحارب الابتكار ولا يمنح الشركات حق تعطيله، وإنما يضع حدوداً واضحة لاستخداماته الأكثر حساسية.
ويفترض أن يتناول مثل هذا الميثاق حماية البيانات والخصوصية، والشفافية، والمساءلة، والإشراف البشري، وحقوق الملكية الفكرية، وأمن الأنظمة، والتمييز الخوارزمي، والمسؤولية عن الأضرار.
وقد أرست اليونسكو أساساً مهماً بهذا الاتجاه عندما اعتمدت في 2021 توصيتها العالمية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، القائمة على حقوق الإنسان والكرامة والشفافية والمساءلة وحماية البيانات والإشراف البشري.
خلاصة الصدى
المشكلة ليست في أن يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً، بل في أن يصبح أكثر قوة من دون قواعد تحكم قوته.
والرهان العالمي لم يعد فقط على من سيطور النموذج الأكثر تقدماً، وإنما على من سيمتلك البيانات، ومن سيحدد قواعد استخدامها، ومن سيحصل على العائد الاقتصادي منها، ومن سيتحمل المسؤولية عندما تخطئ الآلة.
لذلك، فإن الخيار الأكثر واقعية ليس رفض الذكاء الاصطناعي خوفاً من المستقبل، ولا تسليمه بالكامل لمن يملك المال والتكنولوجيا، وإنما بناء نظام عالمي يوازن بين الابتكار والرقابة، والمنافسة والمسؤولية، والمصلحة الاقتصادية وحقوق الإنسان.
فإذا كان الذكاء الاصطناعي مرشحاً لأن يكون إحدى أهم أدوات القرن، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل العالم منذ الآن هو: هل ستظل التكنولوجيا في خدمة الإنسان، أم يصبح الإنسان جزءاً من منظومة تخدم مصالح من يملك التكنولوجيا والبيانات؟





