افتتاحية الصدىالأخبارمقالات و تحليلات

«مكة» ليست ساحة حرب.. حين تقترب مسارات التصعيد من المقدسات !! (افتتاحية)

محمد عبد الرحمن المجتبى / المدير الناشر رئيس التحرير لمجموعة الصدى للاعلام

كتب : رئيس التحرير / محمد عبد الرحمن المجتبى

حين تتجه مسيّرة حوثية نحو مكة المكرمة، فإنها لا تقترب من مدينة سعودية عادية، ولا تدخل في حسابات حملة  عسكرية عابرة؛ تسعى للتشويش المملكة العربية السعودية ،  بل إنها تقترب من أطهر بقاع الأرض، ومن مكان تتعلق به قلوب أكثر من مليار مسلم.

 

و لذا تضع هذه “المسيرة” المسيرة المنطقة كلها أمام سؤال أكبر من حدود الحرب في اليمن وهو  أي رسالة يريد “الحوثي” إيصالها حين يجعل مكة المكرمة في مرمى نيرانه؟

 

 

نعم لقد  كان صادما لحد الذهول والأسى ذلك الخبر السيئ الذي تناقلته وسائل إعلام الدنيا والمتعلق باستهداف مسيرة حوثية مسيرة لمكة المكرمة ،و لولا يقظة و فاعلية ردع الدفاعات الجوية السعودية لحصل ما لا تحمد عباه

 

ورغم  نفي “الحوثي” الذي يثبت الاتهام يمثل هذا التصرف منحنى خطيرا لمشاريع توزيع النيران في المنطقة ، لأن توجيه سلاح في اتجاه مكة المكرمة، يمثل انتقالاً بالغ الخطورة في توسيع خريطة الدماء  ، ومؤشرا على أن لا حرمة ولا قدسية لأي زمان ولا مكان حين يتعلق الأمر بتنفيذ أوامر “المشغل” .

 

 

حين تصبح المقدسات هدفاً محتملاً.. تسقط حسابات الميدان

 

اللافت أن هذا  التصرف الخطير ليس سوى استمرار لهجمات سابقة على أراضي المملكة ، بعضها استهدف قبل أيام مواقع ومنشآت حيوية قرب المدينة المنورة، في مسار يثير تساؤلات حول ما إذا كان “الحوثي” يختبر تدريجياً حدود الرد والردع السعودي، و يرغب في نقل المواجهة من الضغط على مراكز ومناطق  الطاقة السعودية  إلى الاقتراب من مناطق ذات حساسية دينية واستراتيجية استثنائية،

 

وهنا تحديداً تبدو الحسابات مختلفة.

 

فالقراءة السطحية والساذجة  للحسابات العسكرية الحوثية باعتبار ما حصل هو  رسالة قوة أو قدرة على الوصول ألى أي نقطة في المملكة بل اقدس نقاط المملكة – هذه الرسالة- تقرأها العقول السوية المتزنة بمحتوى معاكس تماما ومناقض لما ذهب له “الحوثي” ، لسبين اثنين ، اولاهما أن المملكة العربية السعودية التي يتشرف ملوكها بلقب “خادم الحرمين الشريفين” أثبتت منذ قيام الدولة السعودية الحديثة حرصها على امن وتطوير وخدمة الحرمين الشريفين ، وبالتالي لن تتهاون في “الردع الحاسم” لأي استهداف لأطهر بقاع الأرض في هذا الكون 

 

 

 

وثانيهما أن ما حدث يمثل  استفزازا لمشاعر المسلمين في مشارق الارض ومغاربها ، ويعني ببساطة توسيعا حوثيا لدائرة رفضه السياسي ، كما يمثل إهدارا مجانيا وصبيانيا لأي رصيد سياسي يمكن أن تحتاجه جماعة الحوثي في أي تسوية مقبلة.

 

 

من الرابح من استفزاز مليار مسلم؟

 

لا يبدو أن “الحوثي”، حتى وفق أبسط حسابات الربح والخسارة، يملك كثيراً ليكسبه من الزج بمكة والمدينة في معادلة الحرب.

 

قد يربح صورة دعائية مؤقتة عن اتساع قدرته الصاروخية أو المسيّرة، لكنه في المقابل يشتري ثمناً سياسياً بالغاً ، يتجسد في سخط  عارم يتجاوز  حدود المملكة واليمن، ويضعان مشروعه وخطابه وحلفاءه أمام اختبار مختلف.

 

 

نعم إنها واحدة من تلك اللحظات التي يمكن فيها للرعونة السياسية أن تقلب السحر على الساحر؛ فالأذرع  التي يُراد لها أن تكون أداة ضغط قد تتحول فجأة إلى عبء ثقيل ومكلف ، والسلاح الذي صُمم لتوسيع النفوذ قد يصبح سبباً في تضييق هامش المناورة.

 

 

ومن يأمر الذراع ؟

 

لا تتوافر، حتى الآن، أدلة علنية كافية تسمح بالجزم بأن جهة خارجية أصدرت أمراً مباشراً باستهداف مكة المكرمة. لكن لا يخفى على أي كائن سياسي في وطننا العربي من هو الآمر الناهي (الممول المشغل) “للحوثي” ، ضمن شبكة نفوذ إقليمية مهمتها الأساسية زرع الألغام لتسخين المنطقة وحتى تفجيرها

 

مكة ليست ورقة تفاوض.. والمدينة ليست رسالة عسكرية

 

يمكن أن تختلف الدول والجماعات في السياسة، ويمكن أن تتصارع المصالح وتتصادم المشاريع، ويمكن حتى أن تصبح المنشآت العسكرية والاقتصادية أهدافاً في الحروب، لكن المقدسات – التي يفترض أنها مشتركة-  ليست جزءاً طبيعياً من هذه اللعبة، ولا يمكن بأي منطق أن تكون كذلك!!

 

ومن هنا، فإن رفض أي استهداف أو تهديد لمكة المكرمة  والمدينة المنورة ليس موقفاً سياسياً قابلاً للمساومة، ولا اصطفافاً في نزاع إقليمي؛ إنه موقف يتصل بحرمة المكان ومكانته في وجدان المسلمين.

 

 

ولعل أخطر ما فعله هذا التصعيد أنه كشف حدوداً جديدة للعبة، فحين تقترب النيران من مكة، لا يعود الأمر مجرد مواجهة بين الحوثي والسعودية؛ بل يصبح اختباراً لوعي المنطقة كلها بخطورة تحويل المقدسات إلى أدوات في صراعات النفوذ، تماما كما يكشف للجميع الأجندات التي يتعهد الحوثي بتنفيذها بالوكالة

 

 

وقد تكون تلك اللحظة التي تسقط فيها آخر أوراق التوت عن «الكفيل» السياسي لأي ذراع إقليمية في المنطقة ، فالذراع التي يُسمح لها بالعبث بعيداً قد تصبح، عندما تقترب من مكة، عبئاً على صاحب القرار قبل أن تكون سلاحاً في يده.

 

مكة ليست ساحة حرب.. ومن يجعلها كذلك لا يوسع نفوذه، بل يوسع دائرة رفضه ويعجل لحظة حتفه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى