الكاتبة البحرينية د. بثينة خليفة قاسم تكتب : وداعاً إبراهيم المدني.. صدى الأذان الباقي

لم يكن الأذان في الحرام المكي مجرد شعيرة تُؤدى في ميقاتها، بل كان صوتاً يلامس شغاف القلوب ويقظة اليقين في النفوس. وعند رحيل الشيخ إبراهيم بن عادل المدني عن مكبرية المسجد الحرام، غاب صوت طالما سكب الطمأنينة لسنوات طويلة على أرجاء البيت العتيق. لقد رحل هذا الصوت كمن استوعب ثقل الأمانة، فكان أذانه طمأنينة، وتبليغه خلف الأئمة سكينة، وتكبيراته دعوة جديدة للقاء الخالق والولوج في ملكوت السماوات.
عاش الفقيد حياته التي بلغت إحدى وخمسين عاماً مكرسةً لخدمة المسجد الحرام كواحد من نخبة المؤذنين الذين اصطفاهم الله لرفع نداء التوحيد، والبالغ عددهم 24 مؤذناً ، يتناوب سته منهم يوميا على رفع الأذان للصلوات الخمس، ولم يكن صوت هذا المؤذن العظيم مجرد نبرات نسمعها عبر الإذاعة أو التلفاز، بل كان رفيقاً لدقائق الفجر الأولى وشاهداً على طهارة الساعات المباركة بالقرب من الكعبة المشرفة.
كان يؤدي الأذان في المكبرية بكل معانيه السامية وأعلى مراتب الخشوع، ويبلغ تكبيرات الأئمة بوقار يلامس قلوب المصلين والزوار والمعتمرين الذين اعتادوا الاستماع إلى نبراته المخلصة، وكلماته التي كانت كالندى الذي يروي ظمأ الأرواح للحنين إلى رحاب الحرم.
إن فقد خدام بيت الله الحرام يترك غصة في القلب وحزناً في أعمق الأماكن، ولكنه في الوقت ذاته يخلد الذكرى العطرة لمن حافظوا على عهدهم مع الله بوفاء. فالصوت الذي ألِفته جدران الكعبة ومنابر الحرم سيبقى حاضراً وخالداً للأبد في ذاكرة كل من سمعوه يؤدون صلاة الليل، ويستغفرون، ويستمعون لنداء الحق.
لقد انطفأ سراج من سرج المكبرية، لكن الأثر الجميل الذي خلفه في قلوب محبيه لا يمكن أن يمحوه الغياب، فمثله لا يُنسى متى ما تذكرت المآذن شهادتها الطويلة لإخلاصه ونقاء سريرته.
ونحن نودع هذا الصوت، نؤمن أن الأثر الطيب يبقى بعد رحيل الخدام، وأن من وهب حياته لخدمة الحرمين الشريفين يترك في قلوب الناس محبة لا تزول. رحم الله الشيخ إبراهيم المدني، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن بيته الحرام والأمة الإسلامية خير الجزاء. وستبقى حنجرته المخلصة خالدة كتراتيل وفاء في صحائف الأعمال، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
نقلا عن : البلاد البحرينية




