أخبار موريتانياالأخبار

قضية النائبتين “مريم” و “قامو”.. من التوقيف إلى المحكمة العليا: الحصانة والتلبس والعفو الرئاسي أمام طعن قد يحسم مصير المقعدين

الصدى -تقرير إخباريحددت الغرفة الجزائية بالمحكمة العليا، برئاسة القاضي أحمد باب، الثلاثاء 29 سبتمبر الجاري موعداً للنطق بالحكم في الطعن المقدم من النائبتين مريم الشيخ صمب جينغ وقامو عاشور سالم، ضد الحكم الصادر بحقهما عن محكمة الاستئناف بنواكشوط الغربية.

 

وتكتسب الجلسة المقبلة أهمية خاصة، ليس فقط بسبب المسار القضائي للملف، وإنما أيضاً لما يمكن أن يترتب على القرار النهائي بشأن الوضعية البرلمانية للنائبتين، بعدما أسقط العفو الرئاسي العقوبة السالبة للحرية، فيما أبقى على الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية.

 

من التوقيف إلى المحاكمة.. كيف بدأت القضية؟

 

تعود القضية إلى أبريل 2026، عندما أوقفت السلطات النائبتين على خلفية بث مباشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قالت النيابة العامة إنه تضمن أفعالاً مصنفة قانوناً ضمن الجرائم المعاقب عليها.

 

وأعلنت النيابة العامة في 10 أبريل أن إجراءات البحث والمتابعة تمت في إطار حالة التلبس، معتبرة أن البث العلني المباشر يتيح مباشرة الإجراءات دون انتظار رفع الحصانة البرلمانية، واستندت في ذلك إلى المادة 50 من الدستور والمادة 85 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية.

 

ووجهت النيابة إلى النائبتين، حينها  اتهامات شملت المساس بالرموز الوطنية عن قصد عبر وسائل التواصل الرقمي، ونشر عبارات قالت النيابة  إنها ذات طابع عنصري وتمس السلم الأهلي واللحمة الاجتماعية، إلى جانب التهديد والافتراء والتحريض على العنف والدعوة إلى التجمهر بهدف الإخلال بالأمن العمومي.

 

الحصانة.. جوهر أول خلاف قانوني

 

منذ بداية المحاكمة، برزت الحصانة البرلمانية باعتبارها إحدى أهم نقاط الخلاف بين النيابة والدفاع.

وينص الفصل 50 من الدستور الموريتاني على عدم جواز ملاحقة النائب أو توقيفه بسبب الآراء أو التصويت الذي يصدر عنه أثناء ممارسة مهامه. كما ينص على ضرورة الحصول على إذن من الجمعية الوطنية أثناء دورات البرلمان في القضايا الجنائية والجنحية، مع استثناء حالة التلبس، بينما يشترط خارج الدورات إذناً من مكتب الجمعية، مع استثناءات من بينها التلبس والملاحقات المأذون بها والأحكام النهائية.

 

وقد تمسكت هيئة الدفاع بالحصانة، ودفعت بعدم اختصاص المحكمة، معتبرة أن الإجراءات المتخذة بحق النائبتين لا تتوافق مع الضمانات المقررة للنواب. ورفضت المحكمة هذه الدفوع، لتستمر المحاكمة، قبل أن تنسحب هيئة الدفاع من الجلسة احتجاجاً على رفض دفوعها الشكلية.

 

في المقابل، تمسكت النيابة بأن حالة التلبس تمثل استثناءً دستورياً على الحصانة، وطالبت بتجريد النائبتين من حضانتهما البرلمانية والحكم عليهما بالسجن خمس سنوات.

 

 

حكم أولي.. ثم تخفيف العقوبة

 

في 4 مايو 2026، أدانت الغرفة الجزائية بمحكمة ولاية نواكشوط الغربية النائبتين وحكمت عليهما بالسجن أربع سنوات نافذة، مع إجراءات إضافية شملت حذف التسجيلات ومصادرة الوسائل المستخدمة في الأفعال محل الإدانة، 

 

لكن الملف لم يتوقف عند هذه المرحلة، إذ انتقل إلى محكمة الاستئناف، التي أصدرت في 8 يوليو حكماً خفّض العقوبة السجنية، مع الإبقاء على الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية لمدة خمس سنوات. بموجب هذا التخفيض اصبحت العقوبة سنتين نافذتين، بينما أشار قرار المجلس الدستوري إلى صيغة بالسجن  أربع سنوات، لكن مع وقف التنفيذ لنصف هذه المدة ، مع الحرمان من الحقوق الوطنية والمدنية لخمس سنوات.

 

العفو الرئاسي.. نهاية السجن أم بداية مرحلة أخرى؟

 

بعد يوم واحد من حكم الاستئناف، صدر في 9 يوليو مرسوم رئاسي بالعفو عن النائبتين.

وأعلنت رئاسة الجمهورية أن العفو يشمل إسقاط ما تبقى من العقوبة السالبة للحرية، إضافة إلى الغرامات والمصاريف القضائية، وربطت القرار بقيم التسامح والعفو وتعزيز السكينة والانسجام الوطني واحترام دولة القانون واستقلال القضاء.

 

لكن العفو لم يشمل العقوبة المتعلقة بالحرمان من الحقوق المدنية والسياسية، وهو ما أبقى جانباً مهماً من آثار الحكم قائماً.

 

وفي وضعية شائكة قانونيا يتسائل الحقوقيون هل يمكن أن يؤدي الحكم النهائي إلى فقدان النائبتين  لعضويتهما في الجمعية الوطنية ؟

 

المجلس الدستوري يدخل على الخط

 

بعد صدور حكم الاستئناف، أحيلت المسألة المتعلقة بالعضوية البرلمانية إلى المجلس الدستوري.

وفي قراره الصادر في 15 يوليو، أوضح المجلس أن الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية يشكل، وفق النصوص القانونية ذات الصلة، سبباً لعدم الأهلية، وأن فقدان العضوية لا يمكن تأكيده إلا بعد أن يصبح الحكم نهائياً وغير قابل للطعن.

 

وبناءً على ذلك، رفض المجلس الدستوري في تلك المرحلة تأكيد فقدان النائبتين لعضويتهما، لأن الحكم كان لا يزال قابلاً للطعن أمام جهة قضائية أعلى.

 

وكان لهذا القرار أثر مباشر على الوضع البرلماني للنائبتين، إذ سمح لهما لاحقاً بالعودة إلى مبنى الجمعية الوطنية بعد أن كانتا قد مُنعتا من دخوله في وقت سابق.

 

المحكمة العليا.. المحطة الحاسمة

 

الآن وصل الملف إلى المحكمة العليا، التي حددت 29 سبتمبر موعداً للنطق في الطعن.

وتكمن أهمية الحكم في أن نتيجته قد تحدد ما إذا كانت العقوبة المتعلقة بالحرمان من الحقوق المدنية والسياسية ستكتسب الصفة النهائية، وما يترتب عليها قانونياً بالنسبة للعضوية البرلمانية. فإذا أيدت المحكمة الحكم المطعون فيه، فقد يصبح أثر الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية نهائياً، بما قد يفتح الطريق أمام فقدان المقعدين وفق المقتضيات القانونية ذات الصلة. أما إذا نقضت الحكم، فستتغير الوضعية القانونية للنائبتين وفق منطوق القرار ومسار الملف بعده.

 

قضية قضائية ذات أبعاد سياسية

 

ولا يخلو الملف من أبعاد سياسية، بالنظر إلى أن النائبتين تنتميان إلى حركة «إيرا» وترشحتا للبرلمان عبر حزب “الصواب” المعارض، كما أن القضية أثارت نقاشاً حول حدود حرية التعبير، والحصانة البرلمانية، وتطبيق قوانين الجرائم الإلكترونية والرموز الوطنية، وحدود تدخل القضاء في القضايا ذات الحساسية السياسية.

 

ويرى أنصار النائبتين ودفاعهما أن الحصانة كان ينبغي أن تحظى بمساحة أكبر في معالجة الملف، وأن اللجوء إلى مسطرة التلبس محل نقاش قانوني، فيما تتمسك النيابة بأن الأفعال المنسوبة إليهما تدخل في نطاق التجريم وأن حالة التلبس تتيح مباشرة الإجراءات وفق الدستور والقانون.

 

وبين هذين الموقفين، تبقى الكلمة الأخيرة للقضاء، خصوصاً أن المحكمة العليا لا تنظر فقط في البعد السياسي للملف، وإنما في مدى سلامة تطبيق القانون والإجراءات والأحكام الصادرة في درجات التقاضي السابقة.

 

29 سبتمبر.. الحكم المنتظر

 

من هذا المنطلق  تكون قضية “النائبتين” قد قطعت سلسلة من المراحل بدأت بالتوقيف  في شهر  أبريل، ثم محاكمة ابتدائية في شهر  مايو، و حكم استئنافي في يوليو، ثم عفو رئاسي عن العقوبة السالبة للحرية، فقرار دستوري أبقى العضوية مؤقتاً، تبعه طعن أمام المحكمة العليا.

 

وفي انتظار جلسة 29 سبتمبر، لم يعد السؤال متعلقاً بعقوبة السجن التي أسقطها العفو الرئاسي، بقدر ما أصبح متعلقاً بالمصير القانوني للعقوبة التبعية، وبانعكاس الحكم النهائي على الصفة البرلمانية للنائبتين.

 

ومن هنا تكتسب جلسة المحكمة العليا أهمية تتجاوز شخص النائبتين، لأنها ستقدم أيضاً اجتهاداً قضائياً مرتقباً بشأن تقاطع الحصانة البرلمانية، وحالة التلبس، والأحكام النهائية، والعفو الرئاسي، وشروط استمرار العضوية البرلمانية في النظام القانوني الموريتاني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى