الأخبارمقالات و تحليلات

«معركة الأمة الأخيرة»..إصدار جديد للمفكر علي محمد الشرفاء الحمادي.. رؤية استشرافية لتفعيل العمل العربي

من حلم الوحدة إلى مشروع الإنقاذ العربي.. قراءة في كتاب يضع مصر في قلب الرؤية الجديدة للأمن القومي والتكامل العربي

معالي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي/ كاتب ومفكر إسلامي ، مدير ديوان سابق للرئيس الاماراتي الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان

من حلم الوحدة إلى مشروع الإنقاذ العربي.. قراءة في كتاب يضع مصر في قلب الرؤية الجديدة للأمن القومي والتكامل العربي

أصدر المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي كتابه الجديد «بقيادة جمهورية مصر العربية.. معركة الأمة الأخيرة.. من حلم الوحدة إلى مشروع الإنقاذ العربي»، في محاولة لتقديم قراءة سياسية وفكرية لمسار النظام العربي منذ ثورة 23 يوليو 1952، وصولاً إلى الأزمات والتحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة.

 

ويطرح الكتاب، الواقع في 260 صفحة والصادر عام 2026، رؤية واسعة لإعادة بناء منظومة العمل العربي المشترك، انطلاقاً من قناعة المؤلف بأن الأزمات العربية لا ترتبط فقط بالخلافات السياسية، وإنما تمتد إلى الاقتصاد والأمن والإعلام والفكر والثقافة وحروب المعلومات.

 

من ثورة يوليو إلى أزمات العالم العربي

 

يبدأ الشرفاء الحمادي قراءته من ثورة يوليو 1952، التي يعتبرها نقطة انطلاق لمشروع قومي عربي حمل آمالاً واسعة بشأن الوحدة والتكامل الاقتصادي والسياسي بين الدول العربية.

 

ويتوقف الكتاب عند تجربة الوحدة المصرية السورية وإعلان الجمهورية العربية المتحدة عام 1958، ثم انفصالها عام 1961، وحرب اليمن، وحرب يونيو 1967، وصولاً إلى حرب أكتوبر 1973 وما ارتبط بها من تحولات في موازين القوى العربية والدولية.

 

ويقدم المؤلف هذه الأحداث باعتبارها حلقات مترابطة في مسار تاريخي طويل، انتهى، وفق قراءته، إلى تراجع مشروع الوحدة وتزايد الانقسامات العربية.

 

مصر في قلب الرؤية

 

يمنح الكتاب مساحة كبيرة للدور المصري، إذ ينطلق المؤلف من اعتبار مصر محوراً رئيسياً في النظام العربي، ويربط بين استقرارها وبين استقرار المنطقة.

 

ويستعرض الكتاب عدداً من المحطات المصرية الحديثة، بما في ذلك أحداث 2011 و2013، ومواجهة الإرهاب، وقضايا الأمن القومي، وسد النهضة، والاستثمار، والإصلاح المؤسسي، مقدماً في هذه الفصول قراءة سياسية تنطلق من رؤية المؤلف الخاصة للأحداث وتقييمه لمساراتها.

 

وتظهر هذه الرؤية بوضوح في عنوان الكتاب نفسه، الذي يربط مشروع إعادة بناء العمل العربي بقيادة مصر، وهي أطروحة مركزية في الكتاب وليست وصفاً محايداً لمواقف جميع الأطراف العربية.

 

إعادة تعريف الأمن القومي العربي

 

من أبرز الأفكار التي يطرحها الكتاب توسيع مفهوم الأمن القومي العربي بحيث لا يقتصر على البعد العسكري.

 

فالأمن، وفق الرؤية التي يعرضها المؤلف، أصبح مرتبطاً أيضاً بالاقتصاد والغذاء والطاقة والإعلام والثقافة والتعليم والمعلومات، الأمر الذي يستدعي، بحسب الكتاب، تطوير أدوات العمل العربي المشترك بما يتناسب مع طبيعة التحديات الجديدة.

 

وفي هذا السياق، يقترح الشرفاء الحمادي إعادة هيكلة مؤسسات العمل العربي، وتطوير آليات اتخاذ القرار، وتعزيز التنسيق بين الدول العربية في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية.

 

ثلاثة محاور لمشروع «الإنقاذ العربي»

 

يقوم الجانب الإصلاحي في الكتاب على ثلاثة محاور رئيسية:

أولاً: المحور السياسي

يقترح المؤلف صياغة ميثاق عربي جديد يحدد الحقوق والواجبات، ووضع آليات أسرع لتسوية الخلافات بين الدول العربية، إلى جانب تفعيل القمم العربية بصورة دورية وإعادة النظر في آليات إدارة جامعة الدول العربية.

ومن بين المقترحات التي يطرحها الكتاب أن يتولى منصب الأمين العام للجامعة العربية بالتناوب الأبجدي بين الدول الأعضاء، لمدة ثلاث سنوات غير قابلة للتجديد.

ثانياً: المحور العسكري

يدعو الكتاب إلى إنشاء «مجلس الأمن القومي العربي» يضم قيادات القوات المسلحة العربية، ويكون هدفه تعزيز التنسيق العسكري وتفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك، إضافة إلى تنظيم مناورات عسكرية دورية وتطوير منظومات الاتصال والتنسيق بين الجيوش العربية.

ويطرح كذلك آليات للتعامل مع حالات العدوان على إحدى الدول العربية أو نشوب صراع بين دولتين عربيتين.

ثالثاً: المحور الاقتصادي

يقترح المؤلف إنشاء «بنك التنمية العربية» برأسمال لا يقل عن 50 مليار دولار، ضمن خطة خمسية تستهدف تمويل مشروعات التنمية وتعزيز التكامل الاقتصادي العربي.

كما يدعو إلى توجيه جانب أكبر من رؤوس الأموال العربية نحو التنمية داخل المنطقة، وتعزيز التجارة البينية، والاستثمار في الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد الاقتصادي على الخارج.

 

الإنسان والتنمية في قلب المشروع

 

لا يحصر الكتاب مشروع النهضة في المؤسسات السياسية والعسكرية والاقتصادية، بل يربطه أيضاً بالإنسان.

ويؤكد، وفق العرض المنشور من مركز رع، أن التنمية الحقيقية ترتبط بحماية كرامة المواطن، وترسيخ العدالة، وتوسيع المشاركة المجتمعية، وتعزيز الحوار، وبناء مؤسسات قادرة على تحويل الموارد والإمكانات إلى نتائج ملموسة.

ومن هذه الزاوية، يربط المؤلف بين قوة الدولة وبين قدرتها على بناء الإنسان والمؤسسات، وليس فقط امتلاك الموارد الطبيعية أو القدرات العسكرية.

 

من الانقسام إلى التكامل

 

ينطلق الكتاب من تشخيص يعتبر الانقسامات العربية أحد أبرز أسباب ضعف النظام الإقليمي، ويدعو إلى الانتقال من إدارة الخلافات بصورة مؤقتة إلى بناء مؤسسات قادرة على احتوائها وتسويتها.

ويؤكد المؤلف أن العالم يشهد تحولات استراتيجية متسارعة، وأن استمرار الصراعات العربية واستنزاف الموارد يحد من قدرة دول المنطقة على التأثير في النظام الدولي. ولذلك يطرح التعاون والتكامل الاقتصادي والسياسي باعتبارهما أدوات لإعادة بناء القدرة العربية على الفعل.

 

كتاب يحمل تصوراً متكاملاً، لمستقبل العمل العربي المشترك

 

وبقراءة محتوى الكتاب، يتضح أنه لا يقتصر على دراسة تاريخية باردة للتجربة العربية، وإنما يقدم مشروعاً فكرياً وسياسياً يحمل مواقف المؤلف وتفسيراته الخاصة لعدد من الأحداث الكبرى.

 

ويظهر ذلك خصوصاً في الفصول المتعلقة بأحداث 2011 و2013، وجماعة الإخوان المسلمين، والأمن المصري، وسد النهضة، ومستقبل الدولة المصرية، فضلاً عن حديثه المتكرر عن دور مصر في النظام العربي. لذلك فإن الكتاب يمكن قراءته بوصفه وثيقة فكرية تعكس تصور مؤلفها لمستقبل النظام العربي بقدر ما هو قراءة لتاريخه.

 

نحو مشروع عربي جديد؟

 

في خاتمة الكتاب، يعود الشرفاء الحمادي إلى الفكرة الأساسية التي يحملها العنوان: أن المنطقة العربية تحتاج، في نظره، إلى الانتقال من مرحلة انتظار المتغيرات الخارجية وإدارة الأزمات إلى مرحلة بناء مشروع مشترك.

 

ويضع المؤلف أمام هذا المشروع مجموعة من العناوين: إصلاح المؤسسات العربية، التكامل الاقتصادي، التنسيق الأمني والعسكري، الاستثمار في الإنسان، وتعزيز القدرة على اتخاذ القرار العربي بصورة جماعية.

 

وبذلك يقدم كتاب «معركة الأمة الأخيرة» تصوراً متكاملاً،  حول مستقبل العمل العربي المشترك، واضعاً مصر في مركز هذا التصور، ومقترحاً إعادة صياغة عدد من المؤسسات والآليات التي تحكم العلاقات العربية، في محاولة للانتقال من «حلم الوحدة» الذي طبع مرحلة ما بعد منتصف القرن العشرين إلى «مشروع الإنقاذ العربي» الذي يدعو إليه المؤلف في المرحلة الراهنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى