الأخبارالرأيقضايا المجتمع

الفضاء الرقمي عندما تتحول الشاشات إلى مقاصل للأخلاق والخصوصية / بقلم :أباي ولد اداعة

اباي ولد الطلبة

أصبح ما بات يعرف بالفضاء الرقمي ( منصات التواصل الاجتماعي ) في واقعنا المعيش مرآة عاكسة لتناقض أخلاقي حاد ، فبقدر ما قرّبت وسائل التواصل المسافات، بقدر ما تحولت لدى البعض إلى واجهة للانفلات الأخلاقي و أداة تُستغٓل داخل و خارج حدود الوطن من قبل البعض للفتك بالخصوصيات و بث البذاءة و تصدير الوقاحة و شحن النفوس بالكراهية و التهويل و التشهير و الابتزاز و التحامل الكيدي المفتعل و تشويه السمعة الوطنية ،

و كأنه ملاذ آمن يمنع من المساءلة و الملاحقة القضائية ،
مستغلين في ذلك مساحات الحرية الافتراضية للتحريض أو تزييف الحقائق،
غافلين عن دور هذه المنصات الأساسي في بناء الجسور و التواصل البنّاء،
نشهد اليوم بشكل غير مسبوق تهافتًا محمومًا من فئات تجعل من النيل من أعراض الناس، وهتك أسرارهم، وتشويه صورة المسؤولين مادة دسمة للتريند و زيادة التفاعل، دون وازع من ضمير أو رادع من قيم .
إن أخطر ما أفرزه هذا الواقع هو ظهور فئة من المتطهرين الرقميين أو علي الأصح مشاهير التدوين المؤثرين الذين يُنصِبُون أنفسهم قضاة و مٌصلِحِين فوق الشاشات، فيُمارسُون النقد بأسلوب تجريحي وافتراء مستمر، وكأن الواحد منهم نبي زمانه مُرسٓل من فوق السماء لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. هذا الوهم بالمثالية الزائفة ليس إلا غطاءا لجهل مُرٓكب وعدوانية إلكترونية تستبيح كرامة الأفراد والمسؤولين على حد سواء دون وجه حق،
صحيح يعد نقد الأداء التنفيذي و معارضة الأنظمة الحاكمة و السياسات الحكومية غير الفعالة ممارسة ديمقراطية مشروعة تهدف إلى تقويم العمل العام وتعزيز الشفافية.
و في حين يرى البعض أن كشف ملفات الفساد وتوجيه النقد العلني يمثلان واجباً وطنياً لتسليط الضوء على التجاوزات، ويؤكد آخرون على ضرورة الاعتماد على القنوات القانونية والمؤسسية الرسمية لتجنب التشهير غير المستند إلى أحكام قضائية، و بما يضمن التوازن بين حرية التعبير و سيادة القانون .
علي أن تظل الدولة بكيانها و مقوماتها وثوابتها خطا أحمر لا يقبل المساس. فالأنظمة والسياسات تتغير وتتعاقب، بينما يبقى الوطن هو الركيزة الثابتة و الجامعة التي تتطلب الولاء المطلق و الحفاظ على أمنه و استقراره ،
شهد الفضاء الرقمي في الآونة الأخيرة تحولاً مقلقاً، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي من مساحات للحوار والتقارب إلى ساحات مفتوحة لإطلاق الأحكام المسبقة و توزيع الاتهامات الزائفة
و للإغتيال المعنوي و تصفية الحسابات الشخصية ،
بحيث بات هذا الفضاء أشبه بمحكمة جماهيرية متسرعة لا تعتمد في أحكامها على أدلة ملموسة أو منطق سليم، بل تسيرها انفعالات اللحظة، و مقاطع الفيديو المجتزأة و الصور المنتزعة من سياقها الحقيقي.
إن هذا التوجه يعكس حالة من التعطش الدائم للمشاحنات والفضائح المفتعلة، حيث يترصد البعض للآخرين بحثاً عن ضحية جديدة تشبع نزعة التشفي والشماتة. وفي كثير من الأحيان، يستغل البعض إدانة الآخرين كحيلة دفاعية للهروب من مواجهة الفشل الشخصي أو كأداة مأجورة تُباع وتُشتري لخدمة مصالح المنافسين و تشويه الخصوم ،
متناسين أن العدالة الحقيقية لا تُبنى على حساب كرامة الناس .
لذا يجب أن ندرك جميعاً أن الأخطاء لا تُعالج بالفضح والتشهير، بل بالوعي و الإصلاح.
الغريب في جيل المدونين الحالي أنه ألغى الفوارق العمرية والمجتمعية علي نحو حوّل الفضاء الافتراضي فيه الحوار إلى معركة أسقطت هيبة السن، وحمّلت الجيل السابق مسؤولية الأزمات في بيئة رقمية محفزة على التخوين والصراع وكأنهم أبناء حارة واحدة أو كأسنان مشط .
من المؤسف و المؤلم جدا رؤية غياب اللباقة في التعامل مع من هم في مقام الآباء .
إنه حقا عصر الانحدار الأخلاقي وفقدان البوصلة . إن استعادة إنسانية الفضاء الرقمي تتطلب منا التثبت و تحكيم العقل و الابتعاد عن الانسياق الأعمى خلف موجات الغضب العابرة .
يتضح مما سبق أن حماية قيمنا الرقمية لم تعد مجرد ترف فكري ،
بل هي ضرورة وطنية و اجتماعية ملحة لحفظ تماسك المجتمع ،
بالتأكيد الخطوة الأولي تبدأ من وعي الفرد بمقاطعة محتوي التشهير ،
تليها جهود المؤسسات في غرس ثقافة النقد البناء ،
إن المعركة الحقيقية اليوم في الفضاء الرقمي ليست معركة خوارزميات أو تكنولوجيا، بل هي معركة وجود أخلاقي. لن يرمم القانون وحده ما تهدمه الشاشات ما لم يستيقظ الضمير الإنساني ليكون هو الرقيب الأول.
لقد حان الوقت لتستعيد منصاتنا قيم الستر و الرحمة،
ولنصنع بأيدينا مجتمعاً افتراضياً ينتصر للجمال والحقيقة، بدلاً من أن يقتات على عثرات الآخرين ، فإنسانيتنا هي أثمن ما نملك، والمسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً لإعادتها إلى الصدارة قبل أن تبتلعها فوضي العواصف الرقمية .
فهل من مدكر ؟!
حفظ الله موريتانيا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى