الأخبارالصدى الثقافي

“ملتقى بتلميت” ينشر السيرة الذاتية للعلامة الدكتور محمد المختار ولد أباه رحمه الله

محمد المختار ولد ابّاه عالم وشاعر ومؤلف إسلامي موريتاني، خبير في لسان العرب وضليع في لغات حية أخرى، من مواليد عام 1924. نهل من علوم المحظرة الشنقيطية، وتخرج من جامعة السوربون كأول موريتاني يحصل على التبريز وشهادة دكتوراه الدولة.

ترجم معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية، وشكلت مؤلفاته إضافة نوعية وثراء للمكتبة الإسلامية

وخلال مسيرته الحافلة بالعلم والعمل، تقلد مناصب سياسية وأكاديمية رفيعة المستوى في كل من موريتانيا والمغرب، وبعض المنظمات الدولية والإقليمية.

المولد والنشأة
ولد محمد المختار ولد محمد فال ولد ابّاه يوم 4 مارس/آذار 1924 في ضواحي مدينة بوتلميت (150 كيلومترًا شرق العاصمة نواكشوط).

عاش طفولته في بيئة بدوية وقبائل رحّل تسكن في الخيام، تزهد في الدنيا وتشتغل بتدارس القرآن الكريم وسيرة الرسول، صلى الله عليه وسلم، ويحفظ صبيتهم أشعار العرب وتاريخهم.

فنشأ وتربّى في محيط علمي وأدبي وفي أسرة لها عمق معرفي ضارب في الجذور. وفي بداية طفولته أبصر نور العلم ومكارم الأخلاق في حضن والده الذي كان محجا لطلاب العلم والمريدين لطريق التصوف، لكن أباه توفي وهو ما يزال في السادسة من عمره، فتولت والدته رعايته والإشراف على تعليمه.



الدراسة والتكوين


بدأ مسيرته التعليمية بالقرآن الكريم فأكمل حفظه على يد الشيخ محمد ولد الرباني، ودرس بعضا من المتون الفقهية الصغيرة والدواوين الشعرية ومقامات الحريري ومنظومات في سيرة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وهو دون العاشرة من عمره

بعد ذلك ذهب للمحظرة (كتاتيب موسعة تدرس فيها جميع العلوم الشرعية) ولازم الشيوخ 5 سنوات، وأتقن عددا من الكتب كألفية بن مالك وكافيته في النحو ولامية الأفعال، ودواوين الشعراء الستة ومثلث بن مالك في اللغة، ومختصر الشيخ خليل ورسالة بن أبي زيد في الفقه، ومرتقى الوصول ومراقي السعود في الأصول.

وخلال هذه الفترة تعرّف على الأديب والمؤرخ والخبير في الأنساب العربية المختار ولد حامد فتأثر به كثيرا، وبقيت بصمته حاضرة في كتاباته المتعلقة بالتاريخ.

وبعدما أكمل دراسة المتون الشرعية واللغوية، قرر الانخراط في المدارس النظامية التي كانت تتبع للمستعمر الفرنسي، فحصل على شهادة الدروس الإعدادية من مدينة بوتلميت سنة 1951، ثم نال شهادة الثانوية العامة في مدينة سان لويس بالسنغال عام 1954.

كما حصل على الإجازة (البكالوريوس) في الآداب من جامعة محمد الخامس بالعاصمة المغربية الرباط عام 1962. وفي السنة ذاتها تخرج من نادي الطيران بالرباط، حيث حصل على الشهادة الأولى والثانية في قيادة الطائرات. وعام 1967 أنهى في نواكشوط تدريباته في القيادة من نادي الطيران التابع للقوات الفرنسية وأصبح طيارا.

حصل على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون في باريس حول موضوع “الشعر والشعراء في موريتانيا” يوم 28 مايو/أيار 1969.

وفي سنة 1970، نجح في امتحان شهادة التبريز من الجامعة نفسها، وكان أول موريتاني يحصل عليها من الجامعات الفرنسية، وقد هنأ السفير الفرنسي في موريتانيا حينها الرئيس المختار ولد داداه بهذا الإنجاز.

وعام 1975 نال دكتوراه الدولة من جامعة السوربون حول “تاريخ أدب التشريع الإسلامي في موريتانيا”، وكان أيضا أول موريتاني يحصل على هذه الرتبة، وبالإضافة لمعرفته الواسعة في اللغة العربية فإنه أتقن العبرية والفرنسية والإنجليزية

تدرج ولد ابّاه في عدة مناصب خلال مسيرته المهنية:

استهل عمله مدرسا لمادة اللغة العربية في المدارس الابتدائية التابعة لإدارة المستعمر الفرنسي.
في سنة 1954 أسند له الفرنسيون مهمة التفتيش الشامل على جميع المدارس الرسمية التي تخضع لوصايتهم في الإقليم الموريتاني.
في مايو/أيار 1957 عين وزيرا للصحة العمومية والسكان في أول حكومة موريتانية، والتي كانت تعمل تحت توجيهات المستعمر.
يوم 6 يوليو/تموز 1960 عينه الملك محمد الخامس على إدارة الإذاعة والتلفزيون المغربي، وهو المنصب الذي كان له وقع كبير في موريتانيا وفرنسا.
في الفترة الواقعة بين 1967 ـ 1975 شغل في موريتانيا مناصب إصلاح التعليم وإدارة مدرسة تكوين المعلمين والمدرسة العليا لتكوين الأساتذة.

عام 1975 اختير عضوا في البرلمان الموريتاني ونائبا لرئيسه ومسؤولا عن لجنة العلاقات الخارجية.
بين أعوام 1979 ـ 1985 التحق باليونسكو مستشارا ثقافيا ومسؤولا عن مشروع إحياء مدينة فاس التاريخية، ومندوبا لدى جامعة الدول العربية مقيما بتونس.
في الفترة الممتدة بين 1985 ـ 1990 شغل منصب الأمين العام المساعد المكلف بالشؤون الثقافية والتربوية في منظمة المؤتمر الإسلامي.
عام 1990 عُيّن رئيسا للجامعة الإسلامية بالنيجر، وبعد عام دراسي من إدارتها قرر العودة للمملكة المغربية والتفرغ للتدريس في دار الحديث الحسنية، كما شغل منصبا مكلفا بمهمة في الديوان الملكي.
تقديرا لجهوده في خدمة اللغة العربية، وما كتبه من بحوث ومؤلفات نفيسة في النحو والشعر، اختاره مجمع اللغة العربية في القاهرة عضوا بين علمائه سنة 1996.
في عام 2000 أصدر الرئيس الموريتاني معاوية ولد سيدي أحمد الطايع مرسوما بتعيينه رئيسا لمجلس هيئة جوائز شنقيط لتشجيع البحث العلمي واستنهاض الحركة الثقافية.
عام 2006 أسّس جامعة شنقيط العصرية في نواكشوط وأصبح رئيسا لمجلس إدارتها.
في 2015 عينه الملك محمد السادس عضوا في المجلس الأعلى لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، ورئيسا لفرعها في موريتانيا.



المؤلفات والإنجازات
أسهم الشيخ محمد المختار ولد ابّاه في إثراء المكتبة الإسلامية بما يربو على 50 مؤلفا تشكل مواضيعها إضافة نوعية في حقل الدراسات الفقهية واللغوية، وتواكب عالمية الدين الإسلامي، فكتب في تفسير القرآن ونقل معانيه إلى اللغة الفرنسية، كما ألف في علوم الحديث والسيرة النبوية، والفقه والأصول والفكر الإسلامي، والنحو واللغة والشعر، ومن أهم المؤلفات التي صدرت له:

تاريخ القراءات في المشرق والمغرب.
ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية.
ملامح من قراءة أهل المدينة.
مفاتيح المعاني لحرز الأماني (شرح للشاطبية).
وفي علوم الحديث والسيرة والنبوية ترك جملة من المؤلفات منها:

تاريخ علوم الحديث في المشرق والمغرب.
خلاصة الأدلة (نظم لأحاديث الموطأ يربو على ألفي بيت).
خلاصة الأدلة من التجريد واختصار التمهيد (شرح أحاديث الموطأ).
على طريق الإسلام (ديوان شعري باللغة الفرنسية).
في موكب السيرة النبوية.

تاريخ أصول الدين.
تاريخ التصوف.
التربية الإسلامية بين القديم والحديث.
مدخل إلى أصول الدين.
وحول الفقه والأصول ألّف جملة من الكتب أهمها:

أصول التشريع وتطور المذهب المالكي في موريتانيا.
مدخل إلى أصول الفقه المالكي.
نبذة عن أصول الإمام الشافعي.
وفي مجال النحو واللغة والشعر والأدب أصدر مؤلفات نفيسة منها:

تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب.
رحلة مع الشعر العربي.
الشعر والشعراء في موريتانيا.
مقدمة عن تاريخ الأدب الموريتاني باللغة الفرنسية.
ترجمة قصائد من عيون الشعر الفرنسي.
الجوائز والأوسمة
اعترافا بإسهاماته الثقافية الكبيرة، كُرِّمَ من قبل الكثير من الهيئات والمنظمات العلمية، ومنها:

وسام الاستقلال من الدرجة الأولى من قبل العاهل الأردني عبد الله الثاني عام 2013.
وسام فارس في الاستحقاق الوطني، من طرف الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني عام 2022.
الوفاة
توفي يوم الأحد 22 يناير/كانون الثاني 2023 بالعاصمة الموريتانية نواكشوط بعد وعكة صحية دخل على إثرها مستشفى أمراض القلب.

ودفن مع عائلته في مقبرة لميلحة بقرية النباغية، حيث مسقط رأسه في ضواحي مدينة بوتلميت. وقد نعاه عدد من الملوك والرؤساء وقادة الدول، وبعث ملك المغرب محمد السادس وفدا لمواساة عائلته، وتقديم العزاء لها.

 


المصدر : صفحة ملتقى بوتلميت للثقافة والتنمية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى