إفريقي ومغاربيالأخبارتقارير ودراساتصدى الاعلام

بولمبيرغ: إفريقيا تصبح الجبهة الجديدة في حروب الشرق الأوسط

كتب : هال براندز
البحر الأحمر لم يعد هامشاً لأزمات المنطقة.. بل أصبح مسرحاً واحداً تتقاطع فيه الحروب والمصالح والقوى الكبرى

 

لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي يفصل شبه الجزيرة العربية عن أفريقيا، ولا مسرحاً ثانوياً لأزمات الشرق الأوسط. ففي قراءة استراتيجية يقدمها هال براندز، كاتب الرأي في Bloomberg Opinion وأستاذ «هنري كيسنجر» المتميز في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، تحوّل البحر الأحمر إلى مسرح جيوسياسي متكامل تتداخل داخله حروب الشرق الأوسط مع صراعات القرن الأفريقي وتنافس القوى الكبرى والإقليمية.

ويرى براندز أن الاهتمام العالمي الذي يستحوذ عليه مضيق هرمز يجب ألا يحجب أهمية الممر المائي الواقع غرب شبه الجزيرة العربية. فالبحر الأحمر، الممتد من باب المندب وخليج عدن إلى قناة السويس، يشكل حلقة استراتيجية تصل المحيط الهندي بالمتوسط، وآسيا بأوروبا، والخليج بالقرن الأفريقي.

وتنبع أهمية هذه الجغرافيا من أن اضطرابها لا يبقى محصوراً في الدول المطلة عليها؛ إذ يمكن لأي تهديد للملاحة أن ينعكس سريعاً على التجارة والطاقة والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية. وقد أظهرت التطورات الأخيرة في اليمن هذا الترابط بصورة واضحة، مع تصاعد القتال على الساحل المطل على البحر الأحمر، وسيطرة الحوثيين على كامل الساحل الغربي لليمن بحسب تقارير حديثة، الأمر الذي دفع آلاف اليمنيين إلى الفرار بحراً نحو جيبوتي.

البحر الذي يجمع ضفتيه

ينطلق براندز من فكرة جغرافية أساسية مفادها أن البحر الأحمر، رغم كونه فاصلاً جغرافياً، يوحّد ضفتيه استراتيجياً أكثر مما يفصل بينهما.

ومن هذه الزاوية، يصبح من الصعب فهم ما يحدث في اليمن بمعزل عن جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا والسودان والصومال، كما يصعب فهم الحسابات الأمنية لدول الخليج من دون النظر إلى امتداداتها عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

فالسواحل والموانئ والجزر والممرات البحرية لم تعد مجرد عناصر جغرافية؛ بل أصبحت أدوات للنفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي. ومن هنا يكتسب باب المندب أهمية تتجاوز قيمته التجارية، باعتباره نقطة تماس بين الأمن الخليجي وأمن القرن الأفريقي وحركة التجارة العالمية.

وهذه المعادلة تفسر، في جانب منها، تصاعد المنافسة حول الموانئ والقواعد العسكرية وشبكات النقل والطاقة والاتصالات، وتحول الدول الواقعة على جانبي البحر الأحمر إلى أطراف في حسابات قوى تتجاوز الإقليم.

من هرمز إلى باب المندب.. «عصر نقاط الاختناق»

يربط براندز ما يجري في البحر الأحمر بظاهرة أوسع تتمثل في عودة نقاط الاختناق الجغرافية إلى قلب الصراع الدولي.

فمضيق هرمز وباب المندب وبحر الصين الجنوبي والممرات القطبية ليست، في هذه القراءة، ملفات منفصلة، وإنما أمثلة مختلفة على حقيقة واحدة: كلما أصبح النظام الدولي أكثر تنافساً وانقساماً، ازدادت قيمة الممرات الضيقة التي تستطيع دولة أو جماعة مسلحة التأثير من خلالها في حركة التجارة والطاقة والاتصالات.

وهنا تظهر المفارقة التي يركز عليها براندز: العولمة لم تلغ أهمية الجغرافيا، بل ربما جعلتها أكثر حساسية. فاقتصاد عالمي شديد الترابط يحتاج إلى عدد محدود من الممرات الحيوية، وأي اضطراب فيها يمكن أن يفرض تكاليف تتجاوز حدود الدول التي يحدث فيها الصراع.

وتقدم جماعة الحوثيين، في هذا السياق، نموذجاً لفاعل من غير الدول يستطيع، بوسائل محدودة نسبياً، التأثير في حسابات شركات الشحن والتأمين والطاقة وإجبار القوى العسكرية الكبرى على إعادة توزيع مواردها.

وكانت تداعيات الحرب اليمنية الأخيرة دليلاً عملياً على هذه المعادلة؛ فقد أدى تجدد القتال إلى نزوح أكثر من 200 ألف شخص منذ سبتمبر، بينما فر آلاف آخرون بحراً إلى جيبوتي، في مؤشر على أن الحرب اليمنية باتت تحمل تداعيات مباشرة على الجانب الأفريقي من البحر الأحمر.

من النظام الأحادي إلى «الفوضى الجيوسياسية»

لكن أطروحة براندز لا تتوقف عند الجغرافيا البحرية. فهو يرى أن البحر الأحمر يعكس تحولاً أوسع في طبيعة النظام الدولي.

فمرحلة الهيمنة الأميركية التي اتسمت بقدر أكبر من القدرة على ضبط الممرات الاستراتيجية تتراجع أمام بيئة أكثر تعدداً وتنافساً، تتسع فيها مساحة الحركة أمام القوى الكبرى المنافسة والقوى المتوسطة والدول الإقليمية والفاعلين من غير الدول.

والنتيجة، وفق هذه القراءة، ليست عودة إلى نموذج الحرب الباردة التقليدي بين معسكرين واضحين، وإنما نشوء نظام متعدد المستويات والاصطفافات.

وقد تتحالف دول في ملف معين، بينما تدعم أطرافاً متعارضة في نزاع آخر. وقد تعتمد دولة على الولايات المتحدة في أمنها، بينما توسع علاقاتها الاقتصادية مع الصين. وفي المقابل، يمكن لجماعات مسلحة محلية أن تتحول إلى عامل مؤثر في الحسابات الدولية.

وبذلك تصبح التحالفات أكثر مرونة، لكن البيئة الأمنية تصبح في الوقت نفسه أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتنبؤ.

أفريقيا تدخل قلب الصراع

الجديد في قراءة براندز هو أنه لا ينظر إلى أفريقيا باعتبارها مجرد متلقٍ لتداعيات صراعات الشرق الأوسط، بل باعتبارها جزءاً من مسرح الصراع نفسه.

فالقرن الأفريقي أصبح مرتبطاً مباشرة بأمن الخليج والبحر الأحمر، بينما أصبحت التنافسات الخليجية والتركية والإيرانية والإسرائيلية والدولية تجد امتدادات لها في أفريقيا.

وتظهر جيبوتي في قلب هذه المعادلة. فموقعها عند ملتقى البحر الأحمر وخليج عدن جعلها واحدة من أكثر المواقع العسكرية حساسية في العالم. وتوجد فيها منشآت وقواعد عسكرية لعدد من القوى الدولية، بينما طورت الصين قاعدتها العسكرية هناك خلال السنوات الأخيرة، مع تعزيزات في مجال الاتصالات والمراقبة والاستطلاع، وفق تحليل حديث استند إلى صور الأقمار الصناعية.

وهكذا لا تعود جيبوتي مجرد دولة صغيرة على أحد أهم الممرات البحرية، وإنما تصبح نقطة التقاء بين الاستراتيجية البحرية والتنافس الدولي في أفريقيا والشرق الأوسط.

إثيوبيا وإريتريا.. البحر الأحمر في قلب الحسابات

وفي الطرف الآخر من القرن الأفريقي، يبرز الصراع المتجدد بين إثيوبيا وإريتريا باعتباره مثالاً على كيفية انتقال المنافسة حول الوصول إلى البحر إلى صلب الأمن الإقليمي.

فقد اتهمت أديس أبابا إريتريا بدعم جماعات مسلحة، بينما تصاعد التوتر بعد تجدد القتال في شمال إثيوبيا. كما اتهمت إثيوبيا إريتريا والسودان ومصر بدعم تحالف معارض تقوده جبهة تحرير تيغراي، وهي اتهامات نفتها الدول المعنية.

وفي المقابل، تتهم أسمرة إثيوبيا بالتحضير لحرب بهدف الحصول على «وصول سيادي» إلى البحر الأحمر وإسقاط نفوذها في المناطق الساحلية الإريترية.

وهنا تكتسب الجغرافيا البحرية أهمية مضاعفة: فإثيوبيا دولة غير ساحلية، لكنها ترى أن موقعها وحجمها ومصالحها الاقتصادية والأمنية تجعل الوصول إلى البحر الأحمر قضية استراتيجية بعيدة المدى.

وبذلك تتقاطع مسألة الموانئ والوصول البحري مع ملفات أخرى مثل حرب السودان وأمن النيل والتنافس الإقليمي.

السودان.. حرب محلية بأبعاد إقليمية

يشكل السودان بدوره إحدى أهم حلقات هذه الشبكة.

فالحرب السودانية لم تعد مجرد مواجهة داخلية بين أطراف سودانية، بل تحولت إلى صراع تتقاطع فيه مصالح إقليمية ودولية، في منطقة ترتبط مباشرة بالبحر الأحمر.

وهذا ما يجعل السودان جزءاً من المعادلة التي يرسمها براندز: فكلما اتسعت دائرة التدخلات الخارجية، أصبح الفصل بين «الحرب الأفريقية» و«الصراع الشرق أوسطي» أكثر صعوبة.

كما أن موقع السودان على البحر الأحمر، وقربه من مصر والخليج والقرن الأفريقي، يمنحه قيمة استراتيجية تتجاوز حدوده الوطنية.

الصومال وأرض الصومال.. باب آخر للصراع

جنوب باب المندب، تدخل الصومال أيضاً في هذه المعادلة، سواء من خلال نشاط حركة الشباب، أو التنافس على النفوذ، أو الصراع حول وضع أرض الصومال.

وقد ازدادت حساسية الملف بعد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وما أعقب ذلك من تعاون أمني متنامٍ. وفي يونيو، أكدت سلطات أرض الصومال أن إسرائيل تقدم تدريباً لقوات الشرطة والأمن، لكنها نفت وجود اتفاق لإنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية هناك.

وفي المقابل، أعلنت مقديشو رفضها القاطع لأي وجود إسرائيلي، وقال الرئيس حسن شيخ محمود إن بلاده لن تقبل وجوداً إسرائيلياً «تحت أي ظرف»، بينما اتهم إسرائيل بالسعي إلى استخدام ميناء بربرة ومطارها، وهي اتهامات لم تؤكدها إسرائيل بصورة مستقلة.

وتزداد أهمية هذا التطور بسبب الدور التركي المتنامي في الصومال، ما يضيف بعداً جديداً إلى المنافسة على النفوذ في القرن الأفريقي. وقد انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، مؤكداً دعم بلاده لوحدة الأراضي الصومالية.

البحر الأحمر.. مختبر للنظام العالمي المقبل

في المحصلة، يرى براندز أن البحر الأحمر يمثل مختبراً مصغراً للنظام الدولي الذي يتشكل أمام أعين العالم.

في مساحة جغرافية واحدة تتجمع التجارة والطاقة والموانئ والكابلات البحرية والقواعد العسكرية والدول الهشة والحروب الأهلية والقوى الكبرى والمتوسطة والجماعات المسلحة.

وهنا تكمن أهمية البحر الأحمر في نظره: ليس باعتباره طريقاً بديلاً لمضيق هرمز فحسب، وإنما باعتباره منظومة استراتيجية مترابطة تشمل باب المندب وخليج عدن والبحر الأحمر وقناة السويس والقرن الأفريقي.

والأخطر أن الصراع في هذه المنطقة لا يتحرك في اتجاه واحد. فالتنافس في الخليج ينتقل إلى أفريقيا، بينما تعود النزاعات الأفريقية لتؤثر في أمن الخليج والملاحة الدولية.

وهذا ما يجعل الحدود التقليدية بين «الشرق الأوسط» و«أفريقيا» أقل فائدة في فهم التحولات الراهنة.

الجغرافيا تعود إلى مركز السياسة الدولية

الرسالة الأوسع التي يمكن استخلاصها من تحليل براندز هي أن الثورة الرقمية والعولمة لم تجعلا الجغرافيا أقل أهمية كما كان يعتقد البعض، بل ربما فعلتا العكس.

فكلما زادت حركة التجارة والبيانات والطاقة عبر العالم، أصبحت الموانئ والمضائق والممرات البحرية والكابلات والبنى التحتية الحيوية أكثر قيمة، وبالتالي أكثر عرضة للتحول إلى أدوات ضغط وصراع.

من هرمز إلى باب المندب، ومن البحر الأحمر إلى بحر الصين الجنوبي والممرات القطبية، تتشكل خريطة جديدة للصراع تقوم على السيطرة على «نقاط الاختناق» التي تمر عبرها شبكات الاقتصاد العالمي.

ومن هذه الزاوية، فإن أفريقيا لا تظهر في تحليل براندز كضحية جانبية لحروب الشرق الأوسط، بل كجزء متزايد الأهمية من الجغرافيا الاستراتيجية للصراع العالمي.

وربما تكون هذه هي خلاصة التحذير الأهم في مقاله: إذا كان البحر الأحمر يعكس بالفعل صورة مصغرة للعالم المقبل، فإن السنوات القادمة قد تشهد صراعات أكثر تشابكاً، وتحالفات أكثر مرونة، وتنافساً أكبر على الممرات الحيوية، وقدرة متزايدة للفاعلين من غير الدول على التأثير في حسابات القوى الكبرى.

وفي عالم كهذا، لن يكون السؤال فقط: من يسيطر على الدول؟ بل أيضاً: من يستطيع السيطرة على الممرات التي يمر عبرها العالم؟

إعداد وصياغة: غرفة أخبار الصدى

المصدر الأصلي: Bloomberg Opinion، مقال هال براندز، «Africa Is the New Front in the Middle East’s Wars»، 7 أكتوبر 2026.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى