الأخبارمقالات و تحليلات

الإسلام بين الشعائر والأخلاق / د.تحرير طٰهَ عَبْدِ  الْإِلٰهِ الْعَامِرِيِّ

الدُّكْتُورُ تَحْرِيرُ طٰهَ عَبْدِ الْإِلٰهِ الْعَامِرِيِّ / أُسْتَاذُ الْعَقَائِدِ فِي دَائِرَةِ التَّعْلِيمِ الدِّينِيِّ وَالدِّرَاسَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ – دِيوَانُ الْوَقْفِ السُّنِّيِّ – جُمْهُورِيَّةُ الْعِرَاقِ

المصدر : الكاتب /

 هل يكفي أن يحافظ المرء على الصف الأول في المسجد ليكون بذلك قد أدّى حقّ الدين؟ وماذا لو خرج من صلاته ليظلم موظفًا، أو ينشر إشاعة، أو يؤخر حقّ عاملٍ عنده؟

 

هذا هو السؤال الذي يواجهنا اليوم في واقع كثيرٍ من المسلمين: هل أراد الله تعالى من عباده مجرد أداء الشعائر، أم أراد أن تصنع تلك الشعائر إنسانًا صالحًا ينفع الخلق، ويقيم العدل، ويحفظ الحقوق؟

 

والقرآن الكريم يجيب عن هذا السؤال بوضوح؛ فالله سبحانه لم يجعل الصلاة غايةً في ذاتها، وإنما جعل لها أثرًا عمليًا في حياة الإنسان، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، فإذا بقي المصلي بعد صلاته كما كان قبلها، يظلم ويكذب ويخون، فأين أثر هذه الصلاة؟

 

وكذلك الصيام، لم يُشرع لمجرد الامتناع عن الطعام والشراب، وإنما ليصنع التقوى في النفوس، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، ولذلك قال رسول الله ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» اخرجه البخاري. فالمقصود من الصيام ليس الجوع والعطش، وإنما تهذيب اللسان، وحفظ الجوارح، وإصلاح القلب.

 

ومن المؤسف أن ترى من يخشى أن تدخل إلى جوفه قطرة ماء في نهار رمضان، ولا يخشى أن يأكل مال يتيمٍ، أو حقّ عامل، أو مالًا أُخذ بالغش أو الرشوة، وترى من يحافظ على الصف الأول في المسجد، فإذا خرج منه اغتاب الناس، أو استغل منصبه، أو أخلف وعده، وكأن العبادة عنده منفصلة عن السلوك.

 

ولذلك قرن الله تعالى بين عبادته والإحسان إلى الخلق في آيات كثيرة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: 90]، وقال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق» رواه الإمام أحمد، فإذا انفصلت العبادة عن الأخلاق، لم يبق من الإسلام إلا صورته، أما حقيقته وروحه فقد غابت.

 

التدين الشكلي… خطر على صورة الإسلام

 

من أعظم أسباب تنفير الناس من الدين أن يروا مسلمًا يرفع شعار الإسلام، ثم لا يجدون في سلوكه عدلًا ولا رحمة ولا وفاء، فقد يظلم أخاه في الميراث، أو يبخس عاملًا أجره، أو يؤخر حقوق الموظفين، ثم يظن أن كثرة النوافل تمحو ظلم العباد، مع أن حقوق العباد مبنية على المشاحة، ولا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة.

 

وهذا ليس هو الإسلام الذي جاء به سيدنا محمد ﷺ، فقد كان أكثر الناس عبادة، ومع ذلك كان أكثرهم رحمة وأعظمهم عدلًا، حتى لُقب قبل البعثة بـ«الصادق الأمين»، قال ﷺ: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا» رواه الترمذي.

 

ومن صور هذا الخلل استغلال المنصب؛ إذ يظن بعض من يتولى مسؤوليةً أنه أصبح مالكًا للناس لا خادمًا لهم، فيؤخر معاملاتهم ويعطل مصالحهم، وهذا مخالف لهدي الإسلام، فقد قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “لو أن بغلةً عثرت في العراق، لخشيت أن يسألني الله عنها: لِمَ لمْ تُمهد لها الطريق يا عمر؟” فأين هذا الشعور بالمسؤولية ممن يتخذون المناصب وسيلةً للتفاخر والنفوذ؟

 

خدمة الناس من أعظم القربات

 

لقد جعل الإسلام نفع الناس عبادة، فقال النبي ﷺ: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس» أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، وقال ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، فكل علمٍ ينفع، وكل مشروعٍ ييسر حياة الناس، مما يحث عليه الإسلام ويباركه، فكيف يرضى المسلم أن يكون سببًا في تعطيل مصالح الناس وتعقيد حياتهم، بينما دينه يأمره بالإتقان؟

 

أما حقوق العباد فهي القضية التي يغفل عنها كثيرٌ من المتدينين؛ فحقوق الله تعالى مبنية على المسامحة لمن تاب، أما حقوق العباد فمبنية على المشاحة، لا تسقط إلا بأدائها أو بعفو أصحابها، وفي ذلك نجد النبي ﷺ يسأل أصحابه يومًا: «أتدرون من المفلس؟» فقالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال ﷺ: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار» رواه مسلم، فتأمل: لم يأتِ هذا الرجل بلا صلاةٍ ولا صيامٍ ولا زكاة، بل أتى بأعمالٍ عظيمة، لكنها لم تمنعه من ظلم الناس.

 

إن أزمة كثيرٍ من الناس اليوم ليست في قلة العبادة، بل في غياب أثرها، فالصلاة التي لا تمنع من الظلم تحتاج إلى مراجعة، والصيام الذي لا يربي على التقوى يحتاج إلى مراجعة، والعلم الذي لا يدعو إلى الإنصاف يحتاج إلى مراجعة، فالدين ليس مظهرًا يُرى، وإنما حقيقةٌ تُعاش، ينبغي أن تحضر في البيت والعمل والسوق، في كل كلمةٍ تُقال، وكل حقٍّ يُؤدى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى