الأخبارمقالات و تحليلات

هل ستتم محاسبة الضالعين في حرائق محطتي الكهرباء في نواكشوط ؟ / محمد الأمين الفاضل

محمد الأمين الفاضل

كنا في “الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد ” أول جهة تصدر بيانا عقب احتراق محطتي الكهرباء في نواكشوط، وقد تضمن بياننا الصادر يوم الأحد 23 أغسطس 2026، المطالب الستة التالية:

1 ـ فتح تحقيق مستقل وشامل في الحادثتين، يتناول الأسباب المباشرة وغير المباشرة لاشتعال النيران، وجميع الظروف والملابسات التي سبقت الحادثتين ورافقتهما، ومدى احترام معايير السلامة والوقاية، وأي أوجه تقصير أو إهمال محتملة.
2 ـ ضمان استقلالية التحقيق، بحيث لا تقتصر لجنة التحقيق على الجهات التي قد تكون محل مساءلة مباشرة أو غير مباشرة، وأن تضم خبراء وشخصيات مشهودا لها بالكفاءة والاستقلالية والنزاهة.
3 ـ التحقيق في جميع الفرضيات الممكنة، دون استبعاد أي فرضية مسبقًا ودون تبني أي استنتاج قبل اكتمال التحقيقات الفنية والقانونية اللازمة، بما في ذلك فرضيات الخلل الفني، وسوء الصيانة أو التشغيل، والإهمال، وأي احتمال آخر قد تكشف عنه الأدلة.
4 ـ تحديد المسؤوليات بدقة، وعدم الاكتفاء بتحديد السبب الفني المباشر للحريق، بل البحث كذلك في المسؤوليات الإدارية والفنية، وفي مدى احترام المسؤولين والجهات المعنية لواجباتهم في الوقاية والصيانة والسلامة.
5 ـ نشر تقرير مفصل للرأي العام بعد انتهاء التحقيق، يتضمن أسبابه ونتائجه وتوصياته، مع احترام المقتضيات القانونية المتعلقة بسرية التحقيق وحماية المعطيات التي يتعين قانونا عدم نشرها.
6 ـ تنفيذ التوصيات الصادرة عن التحقيق، واتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة في حق كل من تثبت مسؤوليته، أيًا كان موقعه أو صفته، والعمل على معالجة أوجه الخلل التي قد يكشف عنها التحقيق لمنع تكرار مثل هذه الحوادث ذات الخطورة العالية.
اليوم، وبعد صدور تقرير لجنة التحقيق ونشره للرأي العام الوطني، تكون خمسة من هذه المطالب الستة قد تحققت بشكل كامل، ولم يبقَ سوى المطلب السادس، الذي نأمل أن تبدأ إجراءات تنفيذه ابتداءً من اليوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، فإن تحقق هذا المطلب، كما نتوقع ونأمل، فسيكون ملف حرائق محطتي الكهرباء بداية حقيقية لحرب جدية على الفساد، وسيؤكد أن لا أحد فوق المحاسبة، مهما كان موقعه أو صفته. أما إذا تعثرت المحاسبة، لا قدر الله، فإن المطالب الخمسة التي تحققت ستكون عديمة الجدوى في المحصلة النهائية، وسيظل السؤال  القديم الجديد مطروحا: ما جدوى التحقيق وكشف الاختلالات إذا لم تترتب عليهما الإجراءات العقابية اللازمة؟
لماذا نتوقع أن يتحقق المطلب السادس؟
إن تفاؤلنا ليس مجرد أمنية، بل يستند إلى مواقف وتعهدات واضحة سبق أن أعلنها فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، وفي مقدمتها:
أولا: تعهد صريح بمحاربة الفساد في رسالة الترشح لمأمورية ثانية، ففي رسالة إعلان ترشحه المنشورة يوم الأربعاء 24 أبريل 2024، تعهد فخامة الرئيس بمحاربة الفساد، فقال بوضوح: “سنضرب بيد من حديد، ونواجه بكل قوة وصرامة كافة مسلكيات وممارسات الفساد والرشوة والتعدي على المال العام”.
ثانيا: تأكيد أن لا أحد فوق المساءلة، ففي افتتاح حملته الانتخابية يوم 14 يونيو 2024، أطلق الرئيس موقفا واضحا لا يزال حاضرا في الأذهان، وذلك حين قال: “لن يكون هناك مكان بيننا لمن يُصرُّ على مد يده للمال العام، كائنًا من كان، ولن يُراعى في ذلك أي اعتبار”. وقد كرر الرئيس التزامه بمحاربة الفساد خلال كل محطات حملته الانتخابية، ليصبح هذا الالتزام أحد أبرز التعهدات في الحملة.
ثالثا: تجديد الالتزام بعد الفوز بالانتخابات، فلم يتوقف هذا التعهد عند مرحلة استمالة أصوات الناخبين، بل جدده الرئيس في خطاب التنصيب فاتح أغسطس 2024، حين قال:
“الحرب على الفساد والرشوة وسوء التسيير حرب الجميع: حرب المنظومات الإدارية والقضائية، حرب أجهزة الرقابة والتفتيش، حرب النخبة من مثقفين وقادة رأي ومجتمع مدني وصحافة ومؤثرين اجتماعيين، ولا سبيل للنصر في هذه الحرب بنحو حاسم، إلا بتضافر جهود الجميع”.
رابعا: ومما يجعلنا نتفاءل أيضا بتحقيق المطلب السادس، أن فخامة الرئيس الذي قرر تشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات الحريقين، والذي طالب بنشر نتائج التحقيق أمام الرأي العام الوطني، قد اتخذ بذلك خطوتين مهمتين في مسار كشف الحقيقة. ونحن نرى أن استكمال هذا المسار يقتضي تنفيذ توصيات اللجنة، والعمل على ترتيب الآثار القانونية على كل الاختلالات التي كشفها التقرير، ولو كان الهدف من تشكيل لجنة تحقيق مجرد تجاوز أزمة احتراق المحطتين، دون كشف ملابساتها، لما أصر الرئيس على تشكيل لجنة التحقيق وأمر بنشر نتائج تحقيقها للراي العام الوطني.
نحن في الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد متفائلون بما تحقق في هذا الملف، لكننا ما زلنا ننتظر تحقيق المطلب السادس من مطالبنا التي تضمنها بيان الأحد 23 أغسطس 2026.
لقد طالبنا بالتحقيق عندما كانت الحقيقة مجهولة، واليوم نطالب باستكمال المسار حتى نهايته، فمحاربة الفساد لا تُحسم بإعلان الحرب على الفساد، ولا بكشف الاختلالات، وإنما بتطبيق القانون على جميع الضالعين في الفساد، دون استثناء أو انتقائية، وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي ننتظر أن ينجح فيه مسار ملف حرائق محطتي الكهرباء.
حفظ الله موريتانيا…
محمد الأمين الفاضل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى