الأخبارفضاء الرأي

نظافة نواكشوط بين التزامات شركة «آرما» واختلالات العمران ومسؤولية المواطن /أحمد الدوه

ليس من الإنصاف تحميل شركة «آرما» المغربية وحدها مسؤولية مشهد تراكم النفايات وانتشار الأوساخ في نواكشوط

 كما أنه ليس من الموضوعية إعفاء الشركة من مسؤولياتها التعاقدية والتزاماتها المتعلقة بالنظافة وتسيير النفايات.

فالمسألة أوسع من اختزالها في أداء شركة متعهدة، إذ تتداخل فيها عوامل عمرانية وإدارية وسلوكية تراكمت على مدى عقود.

فالشركة التي تتولى خدمات النظافة في مدن كبرى، من بينها الدار البيضاء وداكار، وجدت نفسها في نواكشوط أمام واقع عمراني وبيئي معقد، تتجاوز تحدياته حدود المهام التشغيلية المعتادة لشركة نظافة، وتمتد إلى اختلالات هيكلية ترتبط بضعف التخطيط الحضري، وقصور الرقابة، وانتشار الأحياء العشوائية، والتوسع العمراني غير المنظم.

اختلالات عمرانية تعرقل جهود النظافة

إن أزمة النظافة في نواكشوط ليست مجرد مشكلة تتعلق بعدم جمع القمامة أو نقص عمال النظافة، بل هي انعكاس لاختلالات أعمق في إدارة المدينة وتنظيم فضائها العام. فالشوارع المتهالكة تحولت في أحياء عديدة إلى مكبات للنفايات ومستنقعات للمياه الراكدة، فيما غمرت الرمال طرقاً سبق تعبيدها، حتى بات بعضها يبدو وكأنه لم يعرف الإسفلت يوماً.
وتزداد الصورة تعقيداً بفعل الانتشار العشوائي للمباني وخزانات الصرف الصحي والأعمدة الإسمنتية داخل الطرق والممرات، فضلاً عن ضيق الشوارع وغياب المساحات المخصصة لتجميع النفايات. وهي عوامل تعرقل حركة شاحنات النظافة، وتحول دون وصولها إلى عدد من الأحياء، ما يجعل معالجة هذه الاختلالات مسؤولية تتجاوز الشركة إلى الدولة والبلديات والجهات المكلفة بالتخطيط العمراني والرقابة.
ولا يقتصر هذا المشهد على أطراف العاصمة وأحيائها الشعبية، بل يمتد إلى قلب المدينة، وتحديداً السوق المركزي، حيث تتراكم النفايات وتنتشر الروائح الكريهة وسط حركة المواطنين والتجار، في مشهد لا يليق بعاصمة دولة، ولا يستجيب لأبسط متطلبات الصحة العامة، خصوصاً في ظل نقص المرافق الأساسية، وفي مقدمتها الحمامات العمومية.

النظافة مسؤولية الدولة والمجتمع

غير أن مسؤولية النظافة لا تقع على عاتق الدولة والشركة المتعاقدة وحدهما؛ فهناك جانب لا يقل أهمية يتعلق بسلوك المواطن وطريقة تعامله مع الفضاء العام.
فقد أصبح من المألوف أن تتحول بعض الشوارع والساحات إلى امتداد لمكبات النفايات المنزلية، نتيجة ممارسات لا تراعي الصحة العامة ولا تحترم حق الآخرين في بيئة نظيفة. وهذا السلوك يعكس خللاً في الثقافة المدنية والوعي بالمسؤولية الجماعية تجاه الممتلكات والمرافق العامة.
ولا يمكن بناء عاصمة نظيفة ما لم يدرك المواطن أن الشارع ملكية عامة، وأن المحافظة عليه ليست خدمة ينتظرها من الدولة فحسب، بل واجب يومي يلتزم به كل فرد. فالنظافة سلوك مدني قبل أن تكون مظهراً حضرياً، وثقافة اجتماعية قبل أن تكون خدمة تقدمها شركة متخصصة.
كما أن الانتقال من أنماط العيش التقليدية إلى متطلبات الحياة الحضرية الحديثة لا يتحقق بمجرد الانتقال للسكن داخل المدينة، بل يستلزم تحولاً في الوعي والممارسة، واحترام قواعد التنظيم المدني والفضاء المشترك. ولا يعني ذلك تحميل المواطن وحده مسؤولية الأزمة، أو التقليل من ثقافته، وإنما التأكيد أن بناء المدينة الحديثة يتطلب تربية مدنية وتوعية مستمرة، إلى جانب القانون وتطبيقه على الجميع.

المحاسبة ضرورة والإصلاح مسؤولية مشتركة

وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول الاختلالات العمرانية والسلوكية إلى مبرر لتقصير شركة «آرما» أو إعفائها من التزاماتها. فالشركة مطالبة بتنفيذ بنود العقد، وتوفير المعدات والآليات والعمالة اللازمة، وتحسين مستوى جمع النفايات ونقلها، والاستجابة لشكاوى السكان، وتقديم نتائج ملموسة تتناسب مع حجم التزاماتها.
كما أن الدولة مطالبة بممارسة رقابة جادة على أدائها، وتقييم مستوى تنفيذ العقد، ومحاسبتها عند الإخلال بالتزاماتها، بعيداً عن التبريرات المتكررة أو منح المهل دون نتائج واضحة.
أما البلديات والقطاعات الحكومية المعنية، فتقع عليها مسؤولية معالجة الاختلالات العمرانية، وفتح الطرق والممرات، وتنظيم أماكن تجميع النفايات، والحد من البناء العشوائي، وتوفير شبكات الصرف الصحي والمرافق العمومية، فضلاً عن إطلاق برامج مستدامة للتوعية البيئية وتعزيز ثقافة المحافظة على المحيط الحضري.

إن نواكشوط لا تحتاج إلى حملات نظافة موسمية ترتبط بالمناسبات الرسمية ثم تتراجع نتائجها بعد أيام، بقدر ما تحتاج إلى مشروع حضري متكامل يعيد الاعتبار للمدينة، ويعالج اختلالاتها البنيوية، ويضمن انسيابية الطرق، وانتظام الخدمات، وصرامة الرقابة، ومشاركة السكان في حماية البيئة.
فلا يمكن مطالبة شركة النظافة بإصلاح اختلالات مدينة لم تحسن الجهات المعنية تنظيمها، كما لا يمكن المطالبة بعاصمة نظيفة في ظل استمرار ممارسات بعض السكان التي تحول شوارعها إلى مكبات مفتوحة للنفايات.
إن معركة النظافة في نواكشوط هي، في جوهرها، معركة وعي ومسؤولية وحسن تسيير؛ تبدأ من سلوك المواطن، وتمر بالتزام الشركة المتعهدة، ولا تنتهي عند مسؤولية الدولة في التخطيط والتنظيم والرقابة والمحاسبة.
فالنظافة ليست مهمة شركة وحدها، ولا مسؤولية الدولة وحدها، بل هي ثقافة مجتمعية ومسؤولية مؤسسية مشتركة، ولا يمكن أن تتحول نواكشوط إلى عاصمة حضرية نظيفة ما لم تتغير طريقة إدارتها، كما تتغير طريقة تعامل سكانها مع فضائها العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى