شكرا أمير السعادة الشيخ محمد بن راشد/ محمد عبد الرحمن المجتبى
“وظيفة الحكومة تمكين الناس وليس التمكن منهم ..نعم وظيفة الحكومة تحقيق السعادة” (محمد بن راشد / كتاب: تأملات في السعادة و الايجابية)

تشرفت مع كوكبة من رموز وصناع الفعل الاعلامي العربي ، بحضور فعاليات الدورة السابعة عشر من منتدى الاعلام العربي بدبي ،وهو ذلك العرس الاعلامي العربي السنوي ، الذي تتداعى له الأسرة الاعلامية العربية من كل فجاج الأرض، لتتطارح هموم وتحديات ومستجدات الإعلام العربي ، خاصة في هذا الظرف الحساس من تاريخ أمتنا العربية.
كان المنتدى كعادته باهرا من حيث التنظيم والمحتوى ، ولا عجب في ذلك إن نظرنا لنوعية المحضرين والمحاضرين والحاضرين ، فهو برعاية وحضور صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد نائب رئيس دولة الامارات ورئيس وزرائها – حاكم دبي.
ناقش المؤتمر بكثير من التحليل و الإستشراف واقع اللحظة الاعلامية العربية المأزومة ، وما يزكمها من تحديات إعلامية تستصرخ العقول الاعلامية العربية ، وتلح أكثر من أي وقت مضى لإيجاد الحلول والآليات لمواكبة التغيرات المتسارعة في المنطقة العربية من جهة ، ولمسايرة ومواكبة التحولات الرهيبة مهنيا وتقنيا التي يشهدها قطاع الاعلام والاتصال نفسه ، خاصة بعد ظهور الوسائط الاعلامية الجديدة ،التي تزاحم الاعلام التقليدي في عرشه ، بل تنذر بتجاوزه إن لم تبادر العقول الاعلامية لاحتواء واستخدام منافع تلك الوسائط، لبث الرسالة الاعلامية المهنية ، باللغة والأسلوب المتناسب مع الأجيال الجديدة وعبر آلياتها.
وكادت مناقشات المنتدى تنحصر في هذه النقطة رغم تعدد الجلسات وتباينها لكنها في الغالب كانت تلتقي عند هذه اللازمة المحورية في اللحظة الاعلامية الراهنة
وكالعادة توجت أشغال المنتدى بتكريم الفائزين بمسابقة الصحافة العربية ، وهي الجائزة الأهم والأبرز في وطننا العربي ، وبحضور الشيخ محمد بن راشد ولذلك الحضور دلالته القوية في دعم وتفجير الطاقات الاعلامية في وطننا العربي.
لكن أهم وأعمق الأوراق التي قدمت خلال المنتدى – النسبة لي – ، هي تلك التي لم تقدم من خلال الجلسات ، بل قدمت لنا معشر الضيوف داخل غرفنا في مقر الإقامة ،حيث تشرفت كغيري من الزملاء بتلقي هدية رائعة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد تتمثل في كتابه “تأملات في السعادة و الايجابية” و لقد سعدت كثيرا باهداءه الشخصي ، لما لذلك من دلالات دالة.
والواقع أن هذا الكتاب يستنطق كوامن الشخصية الانسانية لهذا القائد الملهم ، فالشيخ محمد بن راشد من أبرز وأعظم القادة حول العالم المؤهلين للحديث عن ماهية السعادة ومفاهيمها ، لأنه لن يضطر للرجوع للتعريفات العلمية والاكاديمية والانتربولوجية والسيسيولوجية لمفهوم السعادة ، وليس بحاجة للاضطلاع على تجارب قادة آخرين (مع أنه قام بذلك تواضعا) أو مجتمعات ودول في هذا المجال ، لكي يكتب عن السعادة والايجابية.
نعم الشيخ محمد بن راشد ، ليس بحاجة للبحث عن المقاربات الفكرية لمفهوم السعادة بين سطور الكتب والدراسات ، فهو الرجل الذي جسد السعادة والايجابية معا في حياته اليومية، منذ سبره أغوار العمل القيادي في إمارة دبي ، وهو في الواقع خريج مدرستين عظيمتين مشهود لهما على المستوى العربي والعالمي باللوذعية والتألق ، هما مدرسة الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان ومدرسة الشيخ راشد ال مكتوم طيب الله ثراهما ، وهما القائدان العظيمان اللذان يعود لهما الفضل فيما ترفل فيه دولة الامارات العربية المتحدة اليوم من تطور وازدهار وسعادة وسمعة مشرفة تعم مشارق الارض ومغاربها وتسمو لعنان المريخ ، وهي السمعة التي ألهمت دولا كثيرة عربية وغير عربية ، كما أغاظت وأزعجت بعض أقرب الأقربين!!!
نعم كان الشيخ محمد بن راشد في هذا الكتاب – الذي يمكن أن نطلق عليه الدليل أو المرجع أو المنهج التربوي لتكريس السعادة – يتحفنا بتجربته الشخصية التي تقطف الامارات والمنطقة العربية عموما ثمارها اليانعة اليوم مجسدة في إمارة دبي تلك “المدينة العالمية الرابعة” ، كما وصفها وزير الخارجية البحريني ، الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة في مداخلته في المنتدى.
من يقرأ كتاب الشيخ محمد بن راشد ، لن تشده سلاسته السردية ، وعمقه الشجي ، واسترساله السهل الممتنع ، بقدرما تشده تلك الإيحات والإيماءات المنبعثة من بين السطور، ومن حنايا الحروف ، والتي تعكس إشعاع قلب وفكر الرجل من جهة، وتشي من جهة أخرى بإنشغال محمد بن راشد حد الانهاك بهموم شعبه وأمته.
نعم أعتقد أن ما تقدمه كتب التنمية البشرية ودوراتها المتنوعة ، لخصته سطور هذا الكتاب المدونة على 150 صفحة بالخط الكبير ، لكن بعيدا عن النظريات والتعقيدات كان الشيخ محمد يفتح قلبه ، ويحكي لأبناءه وبناته من الماء إلى الماء، تجربته الشخصية في قصة بناء أعظم مدينة للسعادة والايجابية وهي دبي ، وقصة قيادة أول حكومة للسعادة حول العالم ، وهي حكومة الإمارات.
ولا شك أن من يطالع هذا الكتاب سيجد فيه من المحفزات للتطوير الذاتي ما يغير أسلوب حياته الخاصة ، ويطور مهاراته وإصراره على إسعاد نفسه والآخرين ، فالسعادة لا تتطلب موارد مالية لكي تتحقق، بل تتطلب فقط نظرة إيجابية للذات والناس والحياة ،تلكم هي عصارة العصارة في هذا الكتاب الهام ، الذي يسعى في مراميه ومقاصده ذات الآفاق المفتوحة ، لتحريك كوامن الإبداع في نفس كل من يقرأه، لا لكي يكون سعيدا، بل لكي يكون قائدا ، وقائدا سعيدا ومسعدا في أسرته ومجتمعه ووسطه وبيئته العملية ، إنه كتاب صناعة القادة ، أو كيف تصبح قائدا سعيدا ومصدرا لاسعاد الناس، إن أردنا أن نتجاوز ونطلق عليه أكثر من عنوان.
يتحدث الشيخ محمد في كتابه، بشفافية قل نظيرها عن التحديات التي واجهته ،خاصة بعد توليه قيادة حكومة الامارات ، ولكن قناعته بالوصول للهدف كانت راسخة، لأن المنطلقات كانت سليمة ومحددة بدقة فائقة ، فكم من الأصدقاء في الداخل والخارج ، نصحوه وأشاروا إليه بعكس قناعته ، لكنه كان دائما يستمع لهم باهتمام بالغ ، ثم يبتسم ويتابع المسار، الى أن يصل للهدف ، ( أن تكون قدوة إيجابية هو أن تؤمن بفكرتك وأن تكون أنت أول من ينفذها قبل أن تطلب من الآخرين تطبيقها)
كان الرجل يتأسى بوالده الشيخ راشد آل مكتوم رحمه الله و”بوالده من بعد والده” (يا أبي الأكبرَ مِنْ بَعْد أبي) الشيخ زايد بن سلطان أل انهيان طيب الله ثراهما ، حيث كانا يصممان على الهدف وينطلقا في رحلة الوصول له بكل ثقة وتصميم.
وتوثيقا لمصادر إلهامه يحكي لنا الشيخ محمد كيف قهر الشيخ راشد آل مكتوم المستحيل ليحول “خور دبي” الى ما نرى اليوم ، وكيف قهر الشيخ زايد صحراء أبوظبي الجرداء ، صادما بذلك خبراء البيئة والزراعة.
ويتسائل الشيخ محمد بن راشد في كتابه سؤالا عميقا وملهما ، ويستحق التوقف قائلا: ما ذا لو أن الشيخ راشد والشيخ زايد استسلما لواقع الحال والتحديات القاهرة ، ما ذا لو لم يقهرا تلك التحديات ، هل كنا سنعيش اليوم في دولة الامارات العربية المتحدة ، هذه التحفة الحضارية الأسرة والأخاذة ؟
وعن الكلفة الباهظة للسعادة يتحدث الرجل في كتابه عن تلك الميزانية الضخمة التي توقع البعض أن ترصدها دولة الامارات لوزارة السعادة ، ليوضح أن السعادة منهج حكومي وأسلوب عمل قيادي وليست شيئا آخر وبالتالي كل الميزانيات مرصودة من أجل السعادة ،ولا يوجد بند مالي تحت مسمى السعادة.
بيد أن تآملات الشيخ محمد من راشد في هذا الكتاب في عمقها وصدقها واستشرافها المفعم بالتجربة الميدانية ، لا تستنفر طاقات الأفراد نحو السعادة و الايجابية فحسب، بل تستحث القادة والحكومات أيضا ، وهي عصارة أفكار جاهزة للتطبيق الميداني ، وهي أفضل بكثير من تلك التي تستنزف بها مكاتب الخبرات والاستشارات الدولية ميزانياتنا العربية.
فحين يتحدث الرجل عن مسؤولية الحكومة أي حكومة في العالم فإنه يختزلها في مفهوم جديد وسهل ممتنع (تمكين الناس ولا التمكن منهم ) والعمل الحكومي لا عبرة به بل لا مبرر له إذا لم يسعد الناس ، وكأن القائد الحقيقي في نظر الشيخ محمد بن راشد – بغض النظر عن شرعية البيعة أو صندوق الاقتراع – يستمد شرعيته الحقيقية من إسعاد شعبه ومواطنيه ، أما الشيخ محمد بن راشد فيستمد سعادته الشخصية من خدمة مواطنيه وشعبه في العالمين العربي والاسلامي ، بل من إسعاد الانسانية ككل ، وهو على إستعداد تام لتصدير تجربته في السعادة والإيجابية و البناء والعطاء والريادة للدول الصديقة والشقيقة لا ينشد من وراء ذلك سوى تحقيق حلمه الشاغل بأن يرى تلك الشعوب تتقاسم السعادة مع شعب الامارات، مستحضرا الحديث النبوي الشريف “ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ”
فالتجربة الاماراتية في مجال التطوير الحكومي والتنموي لا شك أنها رائدة وباهرة بكل المقاييس والمؤشرات ، ويتحدث الشيخ محمد بن راشد في كتابه عن تلك التجربة واستعداده لرفد الأشقاء والأصدقاء بها قائلا :
“نحن في دولة الامارات لدينا تجربة مميزة في بناء حكومة ناجحة ، ومؤسسات قوية ، واقتصاد متنوع ، ومستعدون لمشاركة خبراتنا مع أية دولة أخرى ، هناك دول كثيرة أيضا لديها خبرات في مجالات قد تكون طبية أو علمية أو صناعية أو غيرها ، لا بد أن نستفيد ونتعلم من بعضنا ولا ننتظر المستقبل “
بهذا القلب المفتوح للعالم ، وبتلك اليد البيضاء الممدودة للتعاون وتبادل الخبرات وصلت الامارات لما وصلت له من تطور وازدهار ، لكن الشيخ محمد بن راشد في هذا الكتاب يلامس في سطور معدودة الوجع المسبب لتخلف الكثير من بلداننا العربية عن الركب التنموي قائلا :”البعض ينتظر أن يتوحد العرب أولا ، والبعض ينتظر أن تنتهي الحروب ، أسوأ شيئ تفعله هو ان تنتظر ، لأن الانتظار هدر في الطاقات وضياع للسنوات وفوات للكثير من الانجازات”
واذا كان كتاب “فن الحرب”للقائد الصيني “سون تزو ووه” قد وضع ابجديات التخطيط الاستراتيجي العسكري ،في القرن الخامس قبل الميلاد ، ولا يزال معتمدا في الاكاديميات العسكرية لغاية يوم الناس هذا ، فإن كتاب تأملات في السعادة و الايجابية ، للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وضع أبجديات التخطيط الاستراتيجي للقيادة السعيدة والايجابية في القرن العشرين ، مجسدا عصارة افكار وتجارب ورؤى تمثل إمارة دبي اليوم إحدى ثمارها وتجلياتها الميدانية وشواهدها الناصعة المشرفة.
وختاما لهذه السطور القاصرة عن استجلاء واستنطاق مضامين هذا العمل الابداعي والفكري الفريد ، أضع نقطة النهاية قائلا
شكرا محمد بن راشد شكرا يا أمير الحرف والفعل والسعادة
دمت نبراسا لأمة تتعثر في وجعها التنموي





