الأخبارفضاء الرأي

بين أمانة الكلمة وصمت المنابر… أيُّ دورٍ للصحافة في موريتانيا؟/سيدي محمد بدكي (فيصل)

سيدمحمد ولد الداه ولد بدكي “فيصل”/ناشط سياسي

في وطنٍ مثل موريتانيا، حيث تتقاطع التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لا تكون الصحافة مجرد مهنة تؤدى، بل مسؤولية أخلاقية وتاريخ يُكتب على صفحات الأيام. فهي مرآة المجتمع، وصوت من لا صوت له، وميزان يزن أداء السلطة بقدر ما ينقل نبض الشارع. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا يحدث حين تختار بعض المنابر الصمت في اللحظات التي يكون فيها الناس أحوج ما يكونون إلى الحقيقة؟

الصحافة وُجدت لتكشف الخلل، وتراقب الشأن العام، وتفتح الملفات المسكوت عنها، لا لتجمّل الواقع أو تكتفي بإعادة إنتاج الخطاب الرسمي. فالصمت عن الفساد، أو التغاضي عن مظاهر الظلم، أو تجاهل قضايا الفقر والبطالة وتردي الخدمات، لا يمكن اعتباره حياداً مهنياً؛ بل قد يتحول إلى انحياز غير معلن ضد المصلحة العامة.

ومن أخطر ما يواجه الإعلام أن يقع في فخ الارتهان للمصالح الضيقة، أياً كان مصدرها. فعندما تتحول بعض المنابر إلى أدوات تبرير أو منصات تلميع، تفقد الصحافة جوهرها كسلطة رقابية رابعة، وتتنازل طوعاً عن دورها في مساءلة القرار العام. والتاريخ، بطبيعته، لا يسقط المواقف من ذاكرته؛ فهو ينصف الشجعان كما يكشف المتقاعسين.

ومع ذلك، فإن نقد الأداء الإعلامي لا يعني تعميم الاتهام. فثمة صحفيون يعملون في ظروف صعبة، يواجهون محدودية الموارد وضغوط الواقع، وربما مخاطر مهنية وشخصية. غير أن مسؤولية المؤسسات الإعلامية تبقى أكبر، لأن ثقة الجمهور هي رأس مالها الحقيقي، ومصداقيتها هي ضمان بقائها.

إن المواطن لا يطلب من الصحافة أكثر من الصدق والجرأة والالتزام بقضاياه اليومية. يريد إعلاماً يسائل بدل أن يبرر، يكشف بدل أن يخفي، وينحاز للحق العام لا للمصالح الضيقة. فالصحافة الحرة ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً أساسياً لبناء دولة عادلة ومجتمع واعٍ.

وفي الأخير، تبقى الكلمة أمانة. فإما أن تكون شهادة حق تُرفع بها القيم، أو أن تتحول إلى صمتٍ عابر يطويه الزمن بلا أثر. والتاريخ، كما يُقال، لا ينسى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى