إيران بعد خامنئي: نهاية نظام الولي الفقيه وبداية التحول من الداخل / بقلم: د.محمد بشاري

أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة
لم يكن ما جرى يوم السبت حدثًا عسكريًا عابرًا في سياق الصراع المحتدم في المنطقة، بل شكّل لحظة فاصلة في تاريخ النظام الذي حكم إيران منذ سنة 1979. فقد جاء اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي ليضع حدًا فعليًا للمرحلة التي قامت على فكرة ولاية الفقيه بوصفها الركيزة التي استند إليها حكم الملالي طوال أكثر من أربعة عقود. ولم يكن اغتيال الرجل مجرد ضربة لشخصية سياسية نافذة، بل كان في جوهره ضربة مركزة في قلب النظام الذي صنعه الإمام روح الله الخميني بعد الثورة الإيرانية، حين أرسى نموذجًا سياسيًا جمع بين السلطة الدينية والسلطة السياسية في بنية واحدة.
غير أن اللافت في طبيعة الضربات التي رافقت العملية هو أنها لم تتجه إلى ضرب الدولة الإيرانية بوصفها دولة، بل استهدفت نظام الملالي الذي سيطر على مفاصلها. فالقصف لم يطَل المؤسسات الحكومية التقليدية التي تمثل هيكل الدولة الإداري؛ فلم تُستهدف وزارة الخارجية، ولا وزارة المالية، ولا المؤسسات المدنية التي تدير شؤون الدولة. كما لم تُسجَّل محاولة لاغتيال رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ولم تتعرض البنية التنفيذية للحكومة إلى ضربات مباشرة.
وهذا التفريق في الاستهداف لم يكن مصادفة عسكرية، بل يعكس مقاربة سياسية واضحة: الهدف لم يكن إسقاط إيران كدولة، وإنما إنهاء نظام الملالي الذي حكمها. فالضربات ركزت على المؤسسات المرتبطة مباشرة بمركز السلطة العقائدية للنظام، وعلى البنية التي كانت تدير مشروع التمدد الإقليمي وتربط بين القيادة العليا وبعض الأجهزة العسكرية والأمنية التي مثّلت الذراع الأساسية لنفوذ ولاية الفقيه داخل إيران وخارجها.
إن هذه المقاربة تبدو متأثرة بوضوح بالدروس التي استخلصتها الولايات المتحدة من تجربتها في العراق. فعندما سقط نظام صدام حسين سنة 2003 لم يسقط النظام السياسي وحده، بل انهارت الدولة نفسها. تفككت المؤسسات، وغاب المركز الذي يمسك بالتوازنات، فدخل البلد في مرحلة طويلة من الفوضى الأمنية والسياسية. ومن قلب ذلك الفراغ نشأت ميليشيات مسلحة وتنظيمات متطرفة، وتحولت الساحة العراقية إلى مجال مفتوح للصراعات الإقليمية والدولية، وهو واقع ما تزال المنطقة كلها تعاني آثاره حتى اليوم.
لهذا يبدو أن الاستراتيجية التي حُددت في الحالة الإيرانية تقوم على قاعدة مختلفة: تفكيك رأس النظام دون تفكيك الدولة. فإيران دولة كبيرة، ذات مؤسسات عسكرية وإدارية راسخة، وانهيارها الكامل قد يؤدي إلى سيناريو أكثر خطورة بكثير من استمرار النظام السابق. فالفوضى في بلد بحجم إيران، وفي موقعها الجغرافي الحساس، تعني بالضرورة اضطرابًا واسعًا في المنطقة كلها.
كما أن خيار تقسيم إيران لم يكن مطروحًا في هذه المقاربة. فالبلد يتكوّن من فسيفساء معقدة من المكونات القومية والمذهبية: أكراد في الشمال الغربي، وبلوش في الجنوب الشرقي، وأقليات سنية في مناطق متعددة، إلى جانب الأغلبية الفارسية الشيعية. فتح باب التفكك القومي قد يقود إلى ظهور كيانات متنازعة، وهو سيناريو قد يفتح سلسلة طويلة من النزاعات الحدودية والداخلية، ويحوّل البلاد إلى ساحة صراع دائم.
لهذا لم يكن الرهان أيضًا على قوى المعارضة التقليدية الموجودة في الخارج. فالمعارضة المرتبطة بمنظمة مجاهدي خلق التي تقودها مريم رجوي لم تستطع يومًا أن تحظى بقبول واسع داخل المجتمع الإيراني، كما أن التيار الملكي الذي يلتف حول رضا بهلوي لا يمثل مشروعًا سياسيًا قادرًا على توحيد الداخل الإيراني أو قيادة مرحلة انتقالية مستقرة. والاعتماد على هذه القوى في إعادة تشكيل السلطة كان سيعطي الانطباع بأن التغيير مفروض من الخارج، وهو ما قد يثير ردود فعل وطنية داخل إيران نفسها.
لهذا يبرز خيار آخر يبدو أنه أصبح أكثر حضورًا في التصورات الغربية: التغيير من داخل إيران نفسها. وقد عبّر عن هذا التوجه بوضوح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حين أشار في أكثر من تصريح إلى أن مستقبل إيران ينبغي أن يصنعه الإيرانيون أنفسهم. وهذا التصور يقوم على فكرة أن سقوط رأس نظام الملالي قد يفتح المجال أمام إعادة ترتيب موازين القوة داخل النخبة الإيرانية ذاتها.
فداخل الدولة الإيرانية توجد مؤسسات متعددة لا تتطابق بالضرورة مع الخط العقائدي الصارم لنظام ولاية الفقيه. فهناك الجيش النظامي، والبيروقراطية الإدارية، والنخب الاقتصادية والتقنية، إضافة إلى شخصيات دينية وسياسية ترى أن استمرار الصيغة التي حكمت البلاد طوال العقود الماضية أصبح عبئًا على مستقبل إيران وعلاقاتها بالعالم.
ومن هنا يمكن أن تتجه المرحلة القادمة نحو صيغة انتقالية تقودها شخصيات من داخل النظام نفسه، ربما عبر مجلس الخبراء أو عبر ترتيبات سياسية جديدة تعيد تعريف العلاقة بين الدين والدولة. فاغتيال خامنئي لا يفتح فقط فراغًا في منصب المرشد الأعلى، بل يفتح سؤالًا أعمق يتعلق بمصير ولاية الفقيه نفسها.
لقد كان هذا المبدأ هو الأساس الذي بُني عليه النظام منذ الثورة الإيرانية، لكنه في السنوات الأخيرة أصبح موضع نقاش حتى داخل بعض الأوساط الدينية والسياسية الإيرانية. فالجمع بين السلطة الدينية المطلقة والسلطة السياسية التنفيذية أوجد نظامًا مغلقًا يصعب إصلاحه من الداخل، وأدى إلى اختلال التوازن بين مؤسسات الدولة المختلفة.
ولهذا يمكن القول إن ما جرى يوم السبت قد يمثل بداية مرحلة ما بعد نظام الملالي. وليس بالضرورة أن يأتي هذا التحول عبر ثورة شعبية مفاجئة أو عبر تدخل خارجي مباشر، بل قد يتخذ شكل عملية تحول تدريجية تعيد فيها الدولة الإيرانية ترتيب بنيتها السياسية وتبحث عن صيغة جديدة للحكم أكثر انسجامًا مع طبيعة المجتمع الإيراني وتطلعاته.
فإيران ليست مجرد نظام سياسي، بل هي دولة ذات تاريخ طويل وحضارة عميقة. وقد أثبت التاريخ أن المجتمعات التي تمتلك هذا العمق الحضاري قادرة على إعادة بناء نفسها عندما تصل إلى لحظة التحول الكبرى.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل انتهى نظام الملالي؟
بل: كيف ستولد إيران الجديدة من داخل نفسها بعد سقوطه؟




