أخبار موريتانياالأخبارفضاء الرأيقضايا المجتمع

الثامن من مارس: تأملات في صعود المرأة الموريتانية/أحمد محمد حماده   

أحمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي

مع حلول اليوم الدولي للمرأة من كل عام، تتجدد مناسبة للتأمل في مكانة المرأة داخل مجتمعاتنا، لا بوصفها محطة احتفالية فحسب، بل باعتبارها فرصة للتفكير في المسار الذي قطعناه وما ينتظرنا من تحديات. وفي موريتانيا، جاء هذا العام مقروناً برسالة تهنئة وجّهها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني للنساء الموريتانيات، أشاد فيها بدورهن في مختلف مجالات الحياة الوطنية، مؤكداً أن تمكين المرأة وتعزيز المساواة يشكلان جزءاً أساسياً من مسار التنمية.

غير أن هذه المناسبة تدفعنا أيضاً إلى ملاحظة تحول هادئ، لكنه واضح، يشهده المجتمع الموريتاني منذ سنوات. فحضور المرأة لم يعد محصوراً في الأدوار الاجتماعية التقليدية، بل أخذ يتوسع بثبات داخل الفضاء العام، في السياسة والإدارة والاقتصاد والإعلام.

ففي الحياة السياسية، أصبحت المرأة الموريتانية حاضرة في البرلمان والمجالس المحلية والحكومة، كما برز حضورها في العمل الحزبي والقيادي، وهو ما يعكس مساراً تدريجياً نحو توسيع مشاركة النساء في صناعة القرار السياسي.

أما في عالم الأعمال، فقد استطاعت سيدات موريتانيات أن يثبتن حضورهن في النشاط الاقتصادي والاستثماري، وأن يشقن طريقهن بثقة في مجالات كانت إلى وقت قريب حكراً على الرجال، وهو ما يعكس ديناميكية اقتصادية واجتماعية جديدة داخل المجتمع.

وفي مجال الحقوق والحريات، برزت أصوات نسائية لعبت أدواراً مهمة في الدفاع عن العدالة وترسيخ ثقافة الحقوق، من خلال العمل القانوني والمدني، مما أسهم في تعزيز حضور المرأة داخل فضاءات النقاش العام والعمل الحقوقي.

كما يشهد المجال الإعلامي بدوره حضوراً نسائياً متزايداً، حيث أصبحت المرأة الموريتانية صحفية ومقدمة برامج ومحللة للشأن العام، بل ومؤثرة في تشكيل النقاش العمومي عبر وسائل الإعلام التقليدية والمنصات الرقمية. ولم يعد هذا الحضور مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح جزءاً طبيعياً من المشهد الإعلامي في البلاد.

ولم يتوقف هذا الحضور عند حدود السياسة والإعلام والاقتصاد، بل امتد أيضاً إلى السلك الدبلوماسي، حيث تمثل موريتانيا اليوم عدد من السفيرات في الخارج، في مؤشر واضح على اتساع دائرة الثقة في كفاءة المرأة الموريتانية وقدرتها على تمثيل بلدها في المحافل الدولية.

كما يتجلى هذا التطور في حضور النساء داخل الإدارة العمومية، حيث تتولى بعضهن مسؤوليات كحاكمات وواليات، إضافة إلى حضور متزايد في قطاعات الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، وهي مجالات كانت إلى وقت قريب شبه مغلقة أمام النساء.

ومع ذلك، فإن الاعتراف بهذا التطور لا يعني أن الطريق قد اكتمل. فما تزال هناك تحديات تتعلق بتوسيع حضور المرأة في مواقع القرار العليا وتعزيز تمكينها الاقتصادي، وهي تحديات ترتبط في جزء منها بطبيعة التحولات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها المجتمع.

وفي هذه المناسبة، قد يكون من المفيد التفكير في خطوات عملية من شأنها تعزيز الحضور المتنامي للمرأة الموريتانية وترسيخه بشكل أعمق. ومن بين ذلك مواصلة دعم تعليم الفتيات وتمكينهن من التكوين العالي، وتشجيع مشاركة النساء في الحياة الاقتصادية عبر تسهيل الولوج إلى التمويل وفرص الاستثمار، إضافة إلى تعزيز حضورهن في مواقع صنع القرار داخل المؤسسات السياسية والإدارية. كما يبقى من المهم دعم الكفاءات النسائية في مجالات الإعلام والدبلوماسية والبحث العلمي، وتوفير بيئة قانونية ومؤسسية تشجع على تكافؤ الفرص. فتمكين المرأة لا ينبغي أن يُنظر إليه كقضية فئوية، بل كجزء من مشروع وطني أوسع يسعى إلى تعبئة جميع الطاقات من أجل تنمية البلاد وتقدمها.

إن الثامن من مارس ليس مجرد يوم للاحتفاء بالمرأة، بل هو أيضاً مناسبة للتذكير بأن تقدم المجتمعات يقاس بقدرتها على الاستفادة من طاقات جميع أبنائها وبناتها.

وفي موريتانيا، حيث يشكل الشباب والنساء جزءاً كبيراً من القوة الحية للمجتمع، فإن تمكين المرأة ليس مجرد شعارا أو استجابة لخطاب دولي، بل هو قبل كل شيء خيار وطني يعزز فرص التنمية ويقوي مستقبل البلاد.

ولعل الأمل الأكبر في هذه المناسبة أن يتحول حضور المرأة في مختلف المجالات من قصص نجاح متفرقة إلى مسار طبيعي ومستدام يعكس مجتمعاً يؤمن بقدرات جميع أبنائه، رجالاً ونساءً، على حد سواء.

وفي الختام، تبقى هذه المناسبة فرصة لتوجيه تحية تقدير وامتنان لكل امرأة موريتانية، سواء كانت أماً أو معلمة أو طبيبة أو موظفة أو عاملة أو فاعلة في أي مجال من مجالات الحياة. فالمرأة الموريتانية كانت ولا تزال ركناً أساسياً في بناء الأسرة والمجتمع، وشريكاً حقيقياً في مسيرة التنمية الوطنية. وكل عام ونساء موريتانيا بخير، مع الأمل في أن يحمل المستقبل مزيداً من الفرص والنجاحات التي تليق بعطائهن ودورهن في بناء الوطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى