موريتانيا والخليج العربي/ بقلم : الشيخ ولد السالك

في الجغرافيا السياسية كثيراً ما تبدو العلاقات بين الدول محكومةً بمعادلات المصالح وموازين القوة والاقتصاد والتحالفات الظرفية، غير أن هناك علاقات أخرى تتشكل في طبقات أعمق، طبقات تنتمي إلى الوجدان الجمعي وإلى التاريخ الاجتماعي وإلى الذاكرة الثقافية المشتركة. ولعل ما يربط موريتانيا بدول الخليج العربي ينتمي إلى ذلك الصنف من العلاقات المتعالية على المصالح الآنية.
فعلى الرغم من المسافة الجغرافية التي تفصل ضفتي العالم العربي بين أقصى الغرب وأقصى الشرق، إلا أن موريتانيا والخليج يلتقيان في بنية اجتماعية وروحية تكاد تكون متشابهة في جوهرها. فكلاهما مجتمع تشكّل حول الدين باعتباره إطاراً ناظماً للحياة العامة، وكلاهما نشأ في بيئة صحراوية صاغت الإنسان بطابع خاص: إنسان يميل إلى المحافظة، وإلى الاعتزاز بالانتماء، وإلى بناء التضامن الاجتماعي على أساس القبيلة والعائلة والرمز الديني.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني يُعد من بين القلة الذين أعطوا للعلاقات الموريتانية – الخليجية بعدا استراتيجيا متوازنا مع بعدها الروحي والثقافي. فقد بذل جهوداً غير مسبوقة لتوطيد أواصر التعاون بطريقة تعكس وعيه العميق بأهمية هذه الروابط التاريخية. وإذا كان الرئيس المؤسس المختار ولد داداه قد وضع أسس تلك العلاقة، فإن ولد الشيخ الغزواني عمل على تعزيزها لتصبح جسراً متيناً يربط موريتانيا بدول الخليج قلباً وقالباً.
العلاقة بين موريتانيا والخليج تتجاوز المصالح والاقتصاد، فهي أخوة متجذرة في الصحراء والدين واللغة وتذكير بأن الهوية العربية ما زالت قادرة على الإلهام.
مثل أي صحفي موريتاني، أتيحت لي فرصة الجلوس مع الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني عدة مرات، ولمست خلالها حرصه العميق على تقوية أواصر العلاقات التي تربط موريتانيا بدول الخليج عامة وبالإمارات العربية المتحدة خاصة. واطلعت عن كثب على ما يحيط به هذا البلد من تقدير واحترام، وعلى ما يكنه للقيادة الإماراتية وعلى رأسها أخوه الشيخ محمد بن زايد من توقير وإجلال، وهو ذات التقدير الذي يكنّه الشيخ محمد بن زايد، وقبله والده المغفور له الشيخ زايد، للشعب الموريتاني. فلا تكاد تذكر أنك موريتاني في هذه الأرض الطيبة إلا وتُفتح لك الأبواب وتُحاط بفيض من المودة والترحاب.
وفي هذا الإطار يتجلّى التضامن الصادق للرئيس الغزواني مع دولة الإمارات وباقي دول الخليج في مواجهة العدوان الإيراني السافر. فقد اتصل، نائباً عن الشعب الموريتاني، بشقيقه الشيخ محمد بن زايد، كما تواصل مع قادة دول الخليج كلٌّ على حدة، معلناً بوضوح دعمه المتضامن بلا قيد أو شرط.
ولم يقتصر تواصله على الخليج فحسب، بل امتد ليشمل ملك الأردن والرئيس العراقي، مؤكداً أن هذه الخطوات ليست مجرد تنسيق سياسي تقليدي، بل هي تعبير حي عن شعور عاطفي عميق بالمسؤولية تجاه الفضاء العربي بأسره، واعتراف بأن ما يحدث في أي بقعة من هذا العالم العربي يؤثر فينا جميعاً ويستدعي موقفاً أخوياً متضامناً.
إن القادة الذين ينتمون إلى مجتمعات ذات حساسية عالية تجاه الهوية يميلون إلى تحويل الشعور الجمعي إلى فعل سياسي. فهم لا يتحركون بدافع الحسابات الباردة وحدها، بل بدافع ما يمكن تسميته “بالانتماء العاطفي إلى المجال الحضاري”. ومن هذا المنطلق تبدو اتصالات الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني أقرب إلى رسالة طمأنة وتضامن، تعكس شعوراً بأن ما يحدث في أي جزء من العالم العربي لا يمكن النظر إليه بوصفه شأناً بعيداً.
العلاقة بين موريتانيا والخليج في صورتها الأعمق:ليست مجرد شراكة سياسية أو اقتصادية، بل امتداد لوجدان اجتماعي واحد تشكّل في فضاء الصحراء والدين واللغة والذاكرة المشتركة.
قبل أيام قليلة برز مشهد أثار كثيراً من الجدل في نواكشوط، حين حضر السفير الإيراني حفل إفطار نظّمه حزب تواصل، الذراع السياسية لتنظيم الإخوان في موريتانيا. وقد بدا هذا الحضور، في نظر كثير من الموريتانيين، أقرب إلى رسالة سياسية غير منسجمة مع المزاج العام في البلاد، خاصة في لحظة إقليمية تتصاعد فيها التوترات بين إيران ودول الخليج العربي. فالمشهد بدا لكثيرين تعبيراً عن تعاطف مع نظام الولي الفقيه في طهران، وهو تعاطف سبق أن أبدته فروع أخرى للتنظيم في عدد من الساحات العربية مثل اليمن وليبيا والسودان.
وقد زاد من حدة هذا الانطباع تداول صور لأحد أعضاء الحزب وهو يقبّل يد السفير الإيراني، في مشهد استفز شعوراً واسعاً لدى الرأي العام الموريتاني الذي يتابع بقلق الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية وهي تستهدف الأشقاء في دول الخليج.
إن العلاقات الموريتانية – الخليجية، في عمقها، أبعد من أن تكون مجرد تقارب سياسي؛ إنها علاقة أخوة تشبه علاقة الأسرة الواحدة، تتشكل في البنية الثقافية والوجدانية قبل أن تتشكل في المكاتب الدبلوماسية. ولهذا فإن الضجيج السياسي العابر لا يستطيع أن يحجب الحقيقة العميقة التي تربط موريتانيا بالخليج.
ولعل واحدة من أكثر اللحظات دلالة على هذا المعنى ما رُوي عن زيارة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله لموريتانيا. فقد وجد هناك البداوة التي يعرفها جيداً، ووجد الروح الصحراوية ذاتها التي نشأ فيها. حتى بدا له المشهد وكأن موريتانيا ليست سوى إمارات أخرى ممتدة على ضفاف الأطلسي؛ نفس الإنسان، ونفس البساطة الأصيلة، ونفس الإيقاع الذي تصنعه الصحراء في النفوس.
والشعور ذاته تقريباً عاشه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني عندما زار دولة الإمارات. فقد رأى هناك امتداداً آخر لروح الصحراء نفسها، لكنها هذه المرة وقد تحولت إلى قوة اقتصادية هائلة، وإلى مدن شاهقة ترتفع ناطحاتها كأنها جبال راسية على ضفاف الخليج. وفي تلك اللحظة بدا المشهد كما لو أن موريتانيا الأخرى تقف هناك، ولكن في صورتها التي نجحت في ترويض الحداثة دون أن تفقد روحها الأولى.
وهكذا تتجلى العلاقة بين موريتانيا والخليج في صورتها الأعمق: ليست مجرد شراكة سياسية أو اقتصادية، بل امتداد لوجدان اجتماعي واحد تشكّل في فضاء الصحراء والدين واللغة والذاكرة المشتركة. علاقة تذكّر بأن الهوية العربية، رغم كل ما يعتريها من انقسامات، ما زالت قادرة على أن تُلهم لحظات من التضامن تتجاوز الحسابات الضيقة، وتعيد الاعتبار إلى فكرة العائلة الحضارية الواحدة.
المصدر :صحيفة العرب اللندنية




