مشروع آوكار: استثمار بالمليارات لمستقبل الرعي في الحوض الشرقي / بقلم: د. مولاي ولد أكيك

المصدر : الكاتب /
يُعد مشروع آوكار من أبرز المشاريع التنموية الموجهة للتنمية الريفية والثروة الحيوانية في موريتانيا، بالنظر إلى حجم التمويل المرصود له، وتنوع تدخلاته، واتساع قاعدة المستفيدين منه. ويأتي المشروع في سياق وطني وإقليمي تتزايد فيه التحديات التي تواجه الوسط الرعوي، وفي مقدمتها تداعيات التغيرات المناخية، وتراجع الموارد الطبيعية، وتنامي متطلبات الأمن الغذائي، ما جعل تطوير القطاع الحيواني وتعزيز قدرته على الصمود أولوية ملحّة.
تبلغ الكلفة الإجمالية للمشروع نحو 9.543 مليار أوقية قديمة، فيما يستهدف قرابة 434,618 شخصًا، من بينهم أكثر من 100 ألف مستفيد مباشر، الأمر الذي يجعله واحدًا من أكبر البرامج التنموية الموجهة للمجتمعات الزراعية والرعوية في المنطقة الشرقية من البلاد.
يستمد هذا المشروع أهميته من المكانة الاستراتيجية التي تحتلها ولاية الحوض الشرقي في المنظومة الرعوية الوطنية. فالولاية لا تمثل مجرد مجالا رعوي ضمن مجالات أخرى، بل تشكل أحد أهم مراكز الثروة الحيوانية في موريتانيا. ووفق الإحصاء العام للثروة الحيوانية لسنة 2024، تستحوذ على نحو 33% من إجمالي القطيع الوطني، (39% من الضأن، و33% من الإبل، و32% من الأبقار، و22% من الماعز). وتعكس هذه المؤشرات الوزن الاقتصادي الكبير للحوض الشرقي، كما تؤكد أن أي تحسن في إنتاجيته أو قدرته على مواجهة الأزمات ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن الغذائي الوطني وعلى أداء قطاع الثروة الحيوانية بشكل عام.
ورغم هذه المكانة، ظل القطاع الرعوي في الولاية يواجه تحديات بنيوية متراكمة، أبرزها ندرة المياه، وتدهور المراعي، وضعف الخدمات البيطرية، وهشاشة البنية التحتية، إلى جانب التأثر المتكرر بموجات الجفاف وعدم انتظام التساقطات المطرية. غير أن السنوات الأخيرة أضافت تحديًا آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تداعيات الأزمة الأمنية في جمهورية مالي المجاورة.
فقد اعتاد المنمون في الحوض الشرقي، لعقود طويلة، ممارسة الانتجاع الموسمي نحو الأراضي المالية خلال فصل الصيف، حيث كانت توفر ظروفًا أفضل من حيث المراعي والموارد المائية. إلا أن تدهور الأوضاع الأمنية في المناطق الحدودية أدى إلى تقلص كبير في هذه الحركة، ما أسفر عن تركز أعداد متزايدة من القطعان داخل المجال الرعوي الوطني، في وقت لا تتوافر فيه الموارد الكافية لاستيعاب هذا الضغط الإضافي، خاصة خلال فترات الجفاف.
وقد ترتب على هذا التحول ارتفاع ملحوظ في كلفة الإنتاج الرعوي، وتزايد الأعباء التي يتحملها المنمون والدولة على حد سواء، نتيجة الحاجة إلى توفير مزيد من نقاط المياه والأعلاف والخدمات البيطرية داخل البلاد لتعويض ما كان متاحًا في مناطق الانتجاع التقليدية. وفي هذا السياق، يبرز مشروع آوكار بوصفه استجابة تنموية لواقع جديد فرضته التحولات المناخية والإقليمية، وليس مجرد تدخل قطاعي محدود الأثر.
يراهن المشروع على إحداث تحول نوعي في الاقتصاد الريفي من خلال مقاربة متكاملة تشمل استصلاح المراعي، وإنشاء المحميات الرعوية، وتثبيت الكثبان الرملية، وزراعة الأعلاف المقاومة للجفاف، إلى جانب تطوير البنية التحتية المائية عبر حفر الآبار الارتوازية، وإنشاء البرك والخزانات، واستخدام الطاقة الشمسية في تشغيل منشآت المياه. كما يتضمن تعزيز خدمات الصحة الحيوانية، وتحسين السلالات، وتوفير الأعلاف، وإنشاء بنوك رعوية لمواجهة فترات الشح.
وتكتسب هذه التدخلات أهمية خاصة في ظل الخسائر التي تتكبدها القطعان خلال سنوات الجفاف نتيجة نقص التغذية وانتشار الأمراض. ومن شأن تعزيز خدمات الصحة الحيوانية، وتوسيع حملات التلقيح، وتوفير الأدوية الأساسية، وتطوير العيادات البيطرية المتنقلة أن يسهم في تقليص معدلات النفوق وتحسين الإنتاجية.
لا يقتصر طموح المشروع على رفع الإنتاج الحيواني فحسب، بل يمتد إلى تطوير سلاسل القيمة المرتبطة بالمنتجات الحيوانية، من خلال دعم تجميع الألبان وتصنيعها وتحسين حفظها ونقلها وتسويقها، بما يخلق قيمة مضافة ويعزز دخل المنتجين المحليين. كما يولي المشروع اهتمامًا خاصًا بتمكين النساء والشباب عبر دعم التعاونيات والأنشطة المدرة للدخل وبرامج التكوين، تعزيزًا لدور المجتمعات المحلية في العملية التنموية.

وفي جانب آخر، يعتمد المشروع على أدوات حديثة في مجال الرقمنة وإدارة المعلومات، من خلال إنشاء نظام معلومات رعوي ومناخي يتيح تتبع وضعية المراعي والموارد المائية، وتطوير آليات للإنذار المبكر بشأن الجفاف والأوبئة، بما يعكس أهمية التحول الرقمي في إدارة المخاطر البيئية وتحسين اتخاذ القرار.
ورغم أهمية هذه التدخلات، فإن نجاح المشروع يبقى مرهونًا بقدرته على تجاوز تحديات تتعلق بالحكامة وجودة التنفيذ والتنسيق بين مختلف الفاعلين، إضافة إلى إدارة الموارد الطبيعية وتسوية النزاعات المرتبطة بالمراعي والأراضي، فضلاً عن محدودية قدرات بعض الفاعلين المحليين على استيعاب المقاربات الحديثة المعتمدة في المشروع. كما أن استمرار الضغوط المناخية والإقليمية يفرض تحديات إضافية تستدعي قدرًا كبيرًا من المرونة في التنفيذ.
ومع ذلك، تحيط آمال كبيرة بمشروع آوكار، ليس فقط لكونه يوفر استثمارات معتبرة، بل لأنه يمثل فرصة لإعادة تشكيل مستقبل التنمية الرعوية في الحوض الشرقي. إذ يُنظر إليه باعتباره مدخلاً لتعزيز صمود المنمين، وتحسين ظروف الإنتاج، والحد من آثار الجفاف، والتخفيف من تداعيات تراجع الانتجاع عبر الحدود، بما يساهم في تحويل الثروة الحيوانية من قطاع تقليدي هش إلى رافعة اقتصادية أكثر ديناميكية.
في المحصلة، تتجاوز أهمية مشروع آوكار حدود كونه برنامجًا تنمويًا موجَّهًا للحوض الشرقي، ليشكل رهانًا استراتيجيًا على مستقبل التنمية الرعوية في موريتانيا. فبحكم المكانة المحورية التي تحتلها الولاية في المنظومة الرعوية الوطنية، فإن نجاح المشروع لن ينعكس على أوضاع المنمين المحليين فحسب، بل سيمتد أثره إلى تعزيز الأمن الغذائي الوطني، وتحسين أداء قطاع الثروة الحيوانية، ورفع قدرته على التكيف مع التحولات المناخية والإقليمية المتسارعة.
وفي ظل الضغوط المتزايدة التي يواجهها الوسط الرعوي، يترقب سكان الحوض الشرقي أن يترجم المشروع وعوده إلى نتائج ملموسة تسهم في تحسين ظروف العيش والإنتاج، وتدعم استدامة الموارد الطبيعية، وتعزز الاستقرار في الأوساط الريفية. وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في حجم الاستثمارات المرصودة فحسب، بل في قدرة المشروع على إحداث تحول تنموي مستدام يجعل من الثروة الحيوانية رافعة اقتصادية أكثر إنتاجية وصمودًا، ويمنح الحوض الشرقي موقعًا أكثر قوة في رسم مستقبل التنمية الرعوية في البلاد.




