صانعة الملوك وعاشقة الرافدين .. مائة عام على رحيل “الخاتون” غِيرترود بيل / بقلم :ا.د كريم فرمان
منذ ساعة واحدة
60
تنــــــويـــــه من المحرر.. تنفرد الصدى بنشر مقال الأكاديمي العراقي البارز الاستاذ الدكتور كريم فرمان عن المس غيرترود بيل بالمشاركة مع صحيفة The Woman البريطانية ولأهمية المقال ننشر نصه باللغة العربية.
المصدر : الكاتب – جصري للصدى /
كنت منذ شهور احضر لتجهيز هذا المقال الاكاديمي المعد للنشر في الصحافة العربية والأجنبية واستطعت ان ابحث في ازيد من عشرة مصادر مهمة عن ادوار وشخصية هذه الانسة التي يظل ما قامت به في العراق مجالا خصبا للبحث والتمحيص بعيدا عن الايديولوجية والافكار المسبقة،
كما استعرضت في هذا المقال السيرة الأكاديمية والعملية لـ غِيرترود بيل (1868–1926)، مستكشفاً خلفيتها المعرفية قبل استقرارها في بغداد وتناولت أدوارها المحورية كـ مستشارة للمندوب السامي البريطاني، ومساهماتها في رسم حدود العراق الحديث وتأسيس المتحف العراقي. كما اردت للمقال ان يخلق نقاشات علمية عن الجدلية التاريخية حول هويتها بين “الجاسوسية” والولاء العاطفي لبلاد الرافدين، تزامناً مع مرور 100 عام على وفاتها عام 1926.
1. التكوين الأكاديمي والخبرة الميدانية قبل محطة بغداد.
لم تكن غِيرترود بيل مجرد موظفة استعمارية عابرة، بل استندت إلى خلفية معرفية صلبة شكلت أدواتها السياسية لاحقاً:
* التميز الأكاديمي بجامعة أكسفورد وتخرجت بيل في التاريخ الحديث بمرتبة الشرف الأولى، لتكون أول امرأة تحصد هذا الإنجاز في أكسفورد.
* عالمة آثار ومؤرخة ميدانية: قادت حملات تنقيب واسعة في الشرق الأوسط، ووثقت حصن “الأخيضر” في العراق والعديد من المواقع البيزنطية في تركيا.
* موسوعية لغوية وثقافية: أتقنت اللغات العربية، والفارسية، والتركية، والألمانية، مما أتاح لها فهماً عميقاً للبنى القبلية والاجتماعية في المنطقة.
* رحالة ومستكشفة الصحراء: قامت بست رحلات كبرى عبر الجزيرة العربية بين عامي 1892 و1914، مما جعلها مستشارة جغرافية لا غنى عنها للاستخبارات البريطانية.
2. جولاتها الاستكشافية وهندسة الدولة العراقية الحديثة.
ارتبطت جولات بيل في العراق وحوله برسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، وتتلخص أهم إنجازاتها وأدوارها في النقاط التالية:
* الجولات الميدانية المقارنة: طافت بيل حائل، والقدس، ودمشق، وبغداد، والبصرة، وجمعت بيانات ديموغرافية وجغرافية دقيقة عن العشائر.
* المستشارة السياسية الأقوى: شغلت منصب سكرتيرة العلاقات الشرقية للمندوب السامي البريطاني السير بيرسي كوكس في بغداد.
* صياغة مؤتمر القاهرة 1921: لعبت دوراً حاسماً إلى جانب لويلين سميث وتوماس إدوارد لورنس (لورنس العرب) في إقناع بريطانيا بتنصيب الملك فيصل الأول ملكاً على العراق.
* تأسيس المتحف العراقي: وضعت اللبنة الأولى لـ المتحف العراقي في بغداد عام 1923 تولت إدارة الآثار لحماية إرث وادي الرافدين من النهب.
* المكتبة الوطنية: ساهمت في تأسيس مكتبة السلام في بغداد والتي تحولت لاحقاً إلى المكتبة الوطنية العراقية.
3. المعضلة التاريخية: هل كانت جاسوسة أم عاشقة للعراق؟
فمن ناحية الدافع والوظيفة هي عملت رسمياً في المكتب العربي بالقاهرة وجمعت معلومات لفائدة المجهود الحربي البريطاني، و كرست سنواتها الأخيرة للدفاع عن استقلال العراق وحماية آثاره من الطموحات الغربية. ومن جهة الرؤية السياسية للمسز بيل انها استخدمت علاقاتها القبلية لتثبيت النفوذ البريطاني وإجهاض ثورة العشرين عبر قنوات دبلوماسية،ةالا انها ناهضت سياسة “الالحاق المباشر” للهند البريطانية، وانحازت لخيار الحكومة العربية الوطنية في بغداد.
وعند محطة النهاية والمصير اكانت جزءاً من الآلة الاستعمارية التي تقاسمت تركة الرجل المريض (الدولة العثمانية). لكنها تخلت عن العودة لبريطانيا، واختارت العيش والموت بجرعة زائدة من المهدئات في بغداد عام 1926.
تعد المراسلات المتبادلة بين غِيرترود بيل وتوماس إدوارد لورنس (سواء عبر رسائلهما المباشرة أو تقاريرهما المشتركة إلى المكتب العربي بالقاهرة) مفتاحاً رئيساً لفهم الدبلوماسية البريطانية في الشرق الأوسط اذ تفصح هذه الوثائق المحفوظة في أرشيفات جامعة نيوكاسل والمكتبة البريطانية عن ملامح استراتيجية محددة.
* اللقاء الأول والتوافق المعرفي: التقى الطرفان لأول مرة قبل الحرب العالمية الأولى في موقع تنقيب “قرقميش” الأثري. عكست رسائلهما المبكرة إعجاباً متبادلاً بالقدرات اللغوية، حيث وصفت بيل لورنس في رسالة إلى والدتها عام 1911 بأنه “شاب يملك بصيرة مذهلة وفهماً نادراً لروح الصحراء”.
* التخادم الاستخباري في القاهرة (1915–1916): تشير التقارير السرية المشتركة إلى تلازم أدوراهما؛ بيل كانت تمد لورنس بـ خرائط تفصيلية وتوزيع ديموغرافي دقيق للعشائر شمال الجزيرة العربية والعراق، بينما كان لورنس يوظف هذه البيانات ميدانياً لتحريك الثورة العربية الكبرى.
* جدلية “العرش الهاشمي” في رسائل مؤتمر القاهرة (1921): كشفت الرسائل المتبادلة في كواليس المؤتمر عن تحالفهما الشرس لفرض الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق حيث كتبت بيل في برقية سرية: “أنا ولورنس نتحرك ككتلة واحدة هنا، نضغط بكل قوتنا لإقناع تشيرشل بأن الخيار الهاشمي هو الضمانة الوحيدة لمنع الفوضى في بلاد الرافدين وتأمين المصالح البريطانية بأقل كلفة عسكرية”.
* خيبة الأمل المشتركة ومأساة النهاية: في مطلع العشرينيات، اتسمت رسائلهما بنبرة سوداوية مشتركة حيال “الوعود المكسورة” للإمبراطورية. فبينما انسحب لورنس متوارياً عن الأنظار، عبّرت بيل في رسائلها الأخيرة له عن شعورها بالعزلة في بغداد وتصاعد حدة النقد الموجه لسياساتها من الجنرالات البريطانيين والقوى المحلية، وهي المراسلات التي سبقت وفاتها المأساوية
الخلاصة الأكاديمية: لم تكن بيل جاسوسة تقليدية تبحث عن مغنم، بل كانت عقلاً استراتيجياً استعمارياً توظف شغفها الحقيقي والمعرفي بالشرق لخدمة إمبراطوريتها، غير أن هذا الشغف تحول تدريجياً إلى ارتباط وجداني ومصيري بالعراق تجاوز حدود الوظيفة السياسية.
مائة عام على الرحيل المهيب
في تموز 1926، شيعت بغداد “الخاتون” بجنازة رسمية مهيبة تقدمها الملك فيصل الأول وقادة الدولة والوجهاء، ودفنت في مقبرة المقيمية البريطانية بباب المعظم في قلب بغداد.
اليوم، وبعد مرور مئة عام على وفاتها (1926–2026)، يقف التاريخ شاهداً على أن الخارطة التي ساهمت غِيرترود بيل في رسم خطوطها الأولى لا تزال تنبض بالحياة رغم كل العواصف الجيوسياسية، وكنت منذ سنوات في جامعة جواهر لآل نهرو مهتما بدراسة دورها السياسي ومدى انعكاس تاثيرها الذي طبع تاريخ العراق الحديث بما نهضت به من ادوار وانعكاس ذلك على بنية النظام السياسي في العراق
ومع ذلك لا يجب تخطي البعد الانساني الاخر في حياتها الشخصية، صحيح جدا انها كانت جاسوسة ولكن تغلب عليها في النهاية كانسانة وامراة وحيدة عشق العراق وإن قبرها القائم في بغداد ليس مجرد مثوى أخير لرحالة إنكليزية، بل هو شاهد مادي على ولادة الدولة العراقية الحديثة بكل تعقيداتها، وتداخلاتها الاستعمارية، وطموحاتها الوطنية، ويظل إرث بيل الأكاديمي في المتحف العراقي والآثار الحصن الأقوى لذكراها، متجاوزاً الخلاف السياسي ليثبت أنها أحبت دجلة والفرات حتى الرمق الأخير.
المراجع باللغة العربية
ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.
1. بيل، غِيرترود (أرشيف وصياغة). رسائل مس بيل: دبلومسية، جغرافية، وآثار في العراق (1917-1926). ترجمة وتعليق: جعفر الخياط، بيروت: دار الحمراء، 1993. (كتاب أساسي يضم الرسائل اليومية التي بعثتها بيل لأسرتها من بغداد). 2. النفيسي، عبد الله فهد. دور غِيرترود بيل في السياسة البريطانية تجاه العراق (1914-1926). بيروت: دار النهار للنشر، 1980. (دراسة نقدية تحلل البعد الاستخباري والسياسي لشخصية الخاتون). 3. الوردي، علي. لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث (المجلد الخامس والسادس). بغداد: مطبعة الإرشاد، 1972. (يستعرض فيه سوسيولوجيا العلاقات بين مس بيل وزعماء العشائر العراقية والملك فيصل الأول). 4. دبليو. إتش. آي. بليتش. صانعة الملوك: غيرترود بيل وتأسيس الدولة العراقية. ترجمة: مصطفى نعمان الهلالي، بغداد: دار المأمون، 2011.
ثانياً: المراجع باللغة الإنكليزية (English References)
1. Bell, Gertrude (2000). The Letters of Gertrude Bell. (Selected and Edited by Lady Bell), New York: Benjamin Blom. 2. Howell, Georgina (2007). Gertrude Bell: Queen of the Desert, Shaper of Nations. New York: Farrar, Straus and Giroux. (من أدق السير الذاتية الحديثة التي تفكك التداخل بين حياتها الشخصية والأكاديمية والسياسية). 3. Wallach, Janet (1996). Desert Queen: The Extraordinary Life of Gertrude Bell: Adventurer, Adviser to Kings, Ally of Lawrence of Arabia. New York: Anchor Books. (كتاب محوري يركز على علاقتها بلورنس العرب ومؤتمر القاهرة). 4. Newcastle University Library. The Gertrude Bell Archive. Online Research Database. Available at: https://gertrudebell.ncl.ac.uk/. (الأرشيف الرقمي المعتمد من اليونسكو والذي يضم كافة الصور، اليوميات، والرسائل المكتوبة بخط يدها). 5. Tripp, Charles (2007). A History of Iraq. Cambridge: Cambridge University Press. (سياق تاريخي ممتاز يوضح أثر بيل وهندستها السياسية على بنية الدولة المعاصرة