فرنسا تطوي صفحة «الكود الأسود»: هل تكفي الرمزية لمصالحة إفريقيا؟
قانون «كود نوير» Code Noir (القانون الأسود).يعود إلى القرن السابع عشر، وقعه الملك لويس الرابع عشر عام 1685م لتقنين استعباد البشر في المستعمرات الفرنسية. و يشرعن معاملة المستعبدين كملكية خاصة يجوز استغلالها، ضربها، بيعها، واغتصابها، أو حتى قتلها،و ظل ساري المفعول قانونياً على مدى ما يقرب من (180) عاماً
الصدى (تقارير) :
في خطوة تاريخية، تُجسّد اعترافاً متأخراً بأحد أحلك فصول التاريخ الاستعماري، صوتت الجمعية الوطنية الفرنسية بالإجماع، بأغلبية (254) صوتاً دون معارضة، على إلغاء قانون «كود نوير» Code Noir (القانون الأسود). ويُمثل هذا الإجماع عرضاً نادراً للوحدة السياسية داخل برلمان منقسم بشدة، لينهي بذلك قانوناً يعود إلى القرن السابع عشر، وقعه الملك لويس الرابع عشر عام 1685م لتقنين استعباد البشر في المستعمرات الفرنسية. والمفارقة التاريخية الصادمة تكمن في أن هذا القانون، الذي شرعن معاملة المستعبدين كملكية خاصة يجوز استغلالها، ضربها، بيعها، واغتصابها، أو حتى قتلها، ظل ساري المفعول قانونياً على مدى ما يقرب من (180) عاماً بعد أن ألغت فرنسا العبودية ممارَسةً وفعلاً.
تكتسب هذه الخطوة أبعاداً بالغة الأهمية بالنظر إلى الحجم الهائل للمشاركة الفرنسية في هذه المأساة الإنسانية؛ إذ تُصنف فرنسا كـثالث أكبر دولة أوروبية مشاركة في تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي بعد إنجلترا والبرتغال، حيث كانت مسؤولة عن إطلاق (13%) من الرحلات الاستكشافية كجزء من هذه التجارة خلال الفترة من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر، وفقاً لبيانات متحف نانت التذكاري لإلغاء الرق. ومن خلال هذه المنظومة، أدارت فرنسا ثالث أكبر تجارة رقيق في العالم، حيث قامت بنقل حوالي (1.4) ملايين إفريقي قسراً إلى مزارع السكر في المستعمرات، وهي الثروات الهائلة الناجمة عن هذا الاستغلال، والتي ساهمت بشكل مباشر في بناء وازدهار مدينتَي «نانت» و«بوردو» الفرنسيتين، قبل أن تمتد الإمبراطورية الفرنسية لاحقاً لتشمل أربع قارات حول العالم.
ولا تكمن خطورة «القانون الأسود» فقط في هذه الأرقام والإحصائيات، أو في اختزاله للأفارقة المستعبدين إلى مجرد ملكية قابلة للتوريث، بل في كونه يُجسّد تشابكاً وثيقاً بين الدين، والاستعمار، والاستغلال الاقتصادي، داخل المشروع الإمبراطوري الفرنسي؛ إذ استند المرسوم الملكي إلى رؤية كاثوليكية محافظة، أُجبر فيها الأفارقة على التخلي عن حريتهم ومعتقداتهم التقليدية مقابل ما سُمي «الخلاص المسيحي»، لدرجة إقدام مؤسسات دينية على إدارة مزارع للعبيد لتمويل أنشطتها التبشيرية وقمع الروحانيات الإفريقية بعنف. بناءً على ذلك، يُشكل هذا الإلغاء خطوة محورية في الاعتراف الرسمي بدور باريس التاريخي في تجارة الرقيق، مما يفتح الباب مشرعاً أمام مناقشة ملف «التعويضات المحتملة» لإفريقيا والمجتمعات المتضررة، وهي الفكرة التي طرحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخراً، مما يمهد لطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الأثر السياسي، والاقتصادي، والنفسي الذي سيتركه هذا القرار على العلاقات الفرنسية الإفريقية المستقبلية.
لذلك؛ يناقش هذا التقرير طبيعة الإلغاء لقانون «الكود الأسود» وأثره في العلاقات الإفريقية الفرنسية، وذلك من خلال المحاور الآتية:
أولاً: الكود الأسود ومفهومه في السياق الفرنسي.. «العبودية» القابلة للإدارة.
ثانياً: إعادة صياغة الهوية.. فرنسا تبحث عن صورة جديدة في إفريقيا وأقاليمها البعيدة.
ثالثاً: أبعاد إلغاء «الكود الأسود» على القارة الإفريقية وعلاقتها بفرنسا.
رابعاً: فجوة المبادئ والممارسات.. لماذا يظل إلغاء القانون عاجزاً عن ترميم العلاقات مع إفريقيا؟.
أولاً: الكود الأسود ومفهومه في السياق الفرنسي.. «العبودية» القابلة للإدارة:
يشير «الكود الأسود» إلى المرسوم الملكي الصادر في عام 1685م بشأن «العبيد» في الجزر الأمريكية، بأمر من الملك لويس الرابع عشر. حدد هذا القانون «شروط العبودية» في الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، ونظّم حياة «العبيد وأسيادهم» في المستعمرات الفرنسية. وتوسع هذا القانون بعد ذلك في نطاقه، خاصةً بين عامَي 1723م و1724م، ليشمل كل مَن كانت تسميهم فرنسا «العبيد» في مستعمراتها، وليس على مستوى الجزر الأمريكية فحسب.
تشير اللجنة الوطنية لذاكرة وتاريخ العبودية إلى أن هذا النظام القانوني نظّم مجتمع «العبيد» في المستعمرات الفرنسية لأكثر من قرن ونصف[1]؛ حيث جاء هذا القانون في (60) مادة قيدت أنشطة العبيد، وأمرت بأن تكون الكاثوليكية الرومانية هي الدين الرسمي الوحيد، وذلك لتأكيد سيادة فرنسا فيها وتأمين ازدهار أعمالها. ويمكن توضيح طبيعة هذا القانون وطريقة تطبيقه كالتالي:
1- الأساس العنصري:
صُمّم القانون لتنظيم مجتمع يقوم على اعتبارات عنصرية تضمن هيمنة الرجل الأبيض على الرجل «الأسود»؛ لذلك تم عزلهم عن الحياة بكل صورها وأشكالها لضمان الطاعة ومنعهم من الثورات. كما نصّ على عقوبات قاسية بحق العبيد الفارين، تراوحت بين الوسم بالحديد، وصولاً إلى عقوبة الإعدام[2].
2- «الشيئية» ونفي السمة البشرية:
اعتبر هذا القانون أن الأفراد المستعبدين هم مجموعة من الأشياء أو «المنقولات»، وهو ما نصت عليه المادة (39) من هذا القانون التي تحدثت صراحةً عن أن: «العبيد يُعتبرون منقولات»، وهو ما استند إلى خيال قانوني لبناء نظام العبودية. وكان القانون يعتبر المستعبدين «ممتلكات منقولة» تُعامل كسلع تعود ملكيتها إلى أسيادهم، وكان لهم الحق في بيعهم أو التصرف في عملهم وصناعتهم، كما حُرِم «المستعبد» من حق تملك أي شيء، فكل ما يملكه كان يعود قانوناً لسيده.
3- غياب الشخصية القانونية:
جرّد القانون المستعبدين من حقوقهم الشخصية، فلم يكن لهم وضع مدني؛ وكانت الولادة الجسدية منفصلة عن الوجود القانوني، بعبارة أخرى: لا تعني ولادة «المستعبد» ووجوده منحَه صفة قانونية[3].
كما كان وضع المستعبدين في هذا القانون يتبع خط الأم، فيما كان يُعرف بنظام (العبودية وفقاً للأمومة)؛ فالسيدة المستعبدة تلد أطفالاً عبيداً حتى لو كان الأب حرّاً. ويرجع هذا إلى أن القانون جعل الأطفال المولودين من علاقات محظورة عبيداً دائمين، وذلك تحت ذريعة منع العلاقات بين الأعراق المختلفة. وأدى غياب هذه الصفة القانونية إلى اعتبار أن المستعبد لم تكن له القدرة على الشهادة ضد سيده؛ لأنه يفتقر إلى الصفة القانونية[4].
أي أن هذا القانون، من خلال هذه الممارسات، وفر إطاراً غير إنساني نظّم العلاقة كإطار عام للحياة اليومية في المزارع والأراضي التي كانت تمتلكها فرنسا؛ بعبارة أخرى: جعل هذا القانون العبودية قابلة للإدارة، وقنن العنف الاقتصادي والاجتماعي وحوّله إلى نظام يحكمه القانون الملكي. وعلى الرغم من أن العبودية أُلغيت خلال الثورة الفرنسية عام 1794م؛ فإنها عادت مرّةً أخرى على يد «نابليون بونابرت» عام 1802م، وفي عام 1803م أُدمج هذا القانون مع قانون تنظيم الحياة المدنية، وظل ساري المفعول حتى أُلغيت العبودية مرّةً أخرى عام 1848م، إلا أن قانون «الكود الأسود» لم يُلغَ رسمياً[5].
ثانياً: إعادة صياغة الهوية.. فرنسا تبحث عن صورة جديدة في إفريقيا وأقاليمها البعيدة:
جاء قرار الجمعية الوطنية الفرنسية بإلغاء هذا القانون بمثابة خطوة تاريخية وتشريعية مهمة؛ على الرغم من أن هذا القانون يُعتبر ملغى فعلياً منذ عام 1848م، أي منذ تاريخ إلغاء العبودية، إلا أن بقاءه في المستند التشريعي الفرنسي طوال هذه العقود شكّل معضلةً كبيرة دفعت إلى اتخاذ هذه الخطوة. ولهذا؛ هناك عدد من الأسباب التي دعت إلى إلغاء القانون، وهي كالتالي:
1- إزالة التناقض التشريعي واستكمال المسار القانوني في إلغاء العبودية:
تعاني القوانين الفرنسية منذ عام 1848م من حالة غياب المراجعة، ولا سيما القوانين المتعلقة بالحقبة الاستعمارية الفرنسية وقوانين العبودية. وعلى الرغم من أن فرنسا أقرت في عام 2001م قانون «توبيرا» Loi Taubira، الذي اعترف رسمياً بأن تجارة الرقيق والعبودية الاستعمارية تمثل «جريمة ضد الإنسانية»[6]، فإن قانون «الكود الأسود» لم يُلغَ، وهو ما دفع النواب إلى اعتبار ذلك خللاً قانونياً؛ إذ كيف يتم تجريم العبودية ومع ذلك لا تزال النصوص التي شرّعت لها قائمةً بذاتها دون إلغاء؟ لذلك؛ اعتبرت الجمعية الوطنية أن الإبقاء على هذه القوانين يعني أن العملية التاريخية والقانونية التي تدفع نحو إلغاء القوانين الاستعمارية مجتزأة وغير مكتملة.
ورأى النواب أن إبقاء هذا القانون يُمثل إهانة لقيم الجمهورية الفرنسية، وفقاً لما أكده الرئيس «إيمانويل ماكرون»، إذ صرح بأن: «إبقاء هذا النص في الأرشيف القانوني يُمثل تناقضاً لماهية الجمهورية الفرنسية»[7]. وكان لا بد من صدور نص صريح يمحو هذه القوانين، وعلى رأسها «الكود الأسود»؛ ولهذا يمكن قراءة هذه الخطوة على أنها محاولة لما يمكن أن نسميه «التطهير الرمزي للمنظومة القانونية» في فرنسا، ومحاولة لسد الفجوة بين «جمهورية المبادئ الديمقراطية» و«جمهورية الواقع التاريخي» التي تغاضت لعقود عن تركتها الاستعمارية بحجة أن القوانين القديمة سقطت بالتقادم الفعلي لا التشريعي.
2- التخلص من الموروث العنصري لفرنسا:
من خلال ما أُشير إليه من طريقة تطبيق هذا القانون في المستعمرات الفرنسية، والتي كشفت عن الممارسات غير الإنسانية التي كان يُعامل بها الرجل «المستعبد» تحت وطأة هذا القانون، دفعت هذه الممارسات المشرعين الفرنسيين إلى ضرورة القضاء على هذا الموروث الاستعماري الذي يتناقض مع نصوص الدستور الفرنسي، ومراجعة كل النصوص والقوانين الأخرى التي يمكن أن تكون قائمةً بالفعل بشكل أو بآخر، خاصةً فيما تسميها فرنسا «أقاليم ما وراء البحار»؛ حيث تمتلك فرنسا (13) إقليماً تتبع لها في كلٍّ من البحر الكاريبي والمحيط الهندي.
تعاني هذه الأقاليم من ارتفاع في مستوى الفقر ومعدلات البطالة، والتي ترجع أسبابها، وفقاً لرؤى وتحليلات، إلى طبيعة الفجوات التنموية المرتبطة بقوانين تاريخية عنصرية كـ«الكود الأسود»، مما يغذي باستمرار سردية الاستعمار الجديد Neo-colonialism؛ حيث يرى سكان هذه الجزر أن المركز (باريس) يمتص شرعيتهم الدولية ومواقعهم الإستراتيجية في الكاريبي والمحيط الهندي، بينما يتركهم في ذيل الاهتمام التنموي والقانوني. لكن في الوقت ذاته، يجب ألّا نقرأ هذا التحرك الفرنسي من دافع واحد؛ إذ إن هناك دوافع أخرى برغماتية لمراجعة القوانين العنصرية، فالإدارة الفرنسية تدرك تنامي الحركات الاستقلالية والمشاعر المناهضة لها كما في كاليدونيا الجديدة ومناطق أخرى تؤثر في مصالحها هناك.
بالتالي؛ فإن تنظيف الترسانة القانونية من «القوانين الاستعمارية» هو محاولة لقطع الطريق على هذه الحركات التي تستخدم هذا الموروث العنصري لإثبات أن باريس ما زالت ترى هذه الأقاليم كـ«مستعمرات رقيق» لا كمواطنين متساوين. من جهةٍ أخرى، لم يأتِ هذا الإلغاء من فراغ، بل كان ثمرة ضغوط طويلة ومستمرة قادها مؤرخون، وجمعيات مناهضة للعنصرية، ونواب يمثلون أقاليم ما وراء البحار الفرنسية (مثل غوادلوب، ومارتينيك، ومايوت) التي ما يزال سكانها يحملون جروح هذا التاريخ، حيث اعتبروا بقاء القانون عقبة معنوية أمام الاعتراف الكامل بجرائم الماضي[8].
ولذلك؛ يمكن قراءة هذا التوجه الفرنسي نتيجةً لهذه الضغوط على أنه محاولة لمراجعة النصوص القانونية الأخرى كافةً، والتي ترغب فرنسا من خلالها في إعادة دمج أقاليم ما وراء البحار في منطقة الكاريبي والمحيط الهندي في الجسد الفرنسي على أساس «المساواة الدستورية الحقيقية» وليس «التبعية التاريخية المستترة»، وهي إجراءات تتعلق بسياسات الهوية وعلاقة المركز (باريس) بأقاليم ما وراء البحار الفرنسية، ومواجهة التيارات التي ترى فيها دولةً ما زالت تمارس عقلية إمبراطورية، بالإضافة إلى تقديم صورة مغايرة للقارة الإفريقية تهدف إلى محو ذاكرتها الاستعمارية لدى الشعوب التي استعمرتها.
ثالثاً: أبعاد إلغاء «الكود الأسود» على القارة الإفريقية وعلاقتها بفرنسا:
يرتبط قرار إلغاء «القانون الأسود» ارتباطاً وثيقاً بالقارة الإفريقية؛ لكونها- كما سبقت الإشارة- هي المنطقة الأساسية التي نقلت منها فرنسا (1.4) ملايين إفريقي قسراً للعمل في مستعمراتها، وقامت باستعبادهم تحت مظلة هذا القانون وغيره. ويتجلى أثر هذا الإلغاء وأبعاده على إفريقيا وعلاقتها بفرنسا فيما يأتي:
1- الاعتراف المعنوي والمصالحة مع الذاكرة الإفريقية:
يُمثل إلغاء القانون بالنسبة للذاكرة الإفريقية محاولةً من قِبل فرنسا للاعتذار بشكل ضمني وغير صريح عن الاستعمار وجرائم العبودية، التي مورست بحق الشعوب والمجتمعات الإفريقية التي عانت عقوداً من تجارة الرقيق عبر المحيطين الأطلسي والهندي. وفي سياقٍ تحليلي، يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها تعويض للشعوب الإفريقية عن الممارسات الفرنسية عبر «الاعتذار الرمزي»؛ حيث تدرك فرنسا أن مصالحها في إفريقيا لم تعد تستند بشكل أساسي إلى القوة الاقتصادية والعسكرية، وبأن القارة الإفريقية باتت قادرةً على إدارة مصالحها وفقاً لتحركات القوى الأخرى.
2- دعم مسار استعادة الآثار والممتلكات الثقافية الإفريقية المنهوبة:
تواجه فرنسا تراجعاً حاداً وملحوظاً في نفوذها السياسي والعسكري في مناطق حيوية بالقارة الإفريقية، ولا سيما في دول الساحل، مثل (مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر)، بالتزامن مع تصاعد المشاعر المعادية لها والاتهامات الموجهة إليها بممارسة «الاستعمار الجديد» Françafrique والهيمنة الاقتصادية. وعملت فرنسا على محاولة صياغة إستراتيجية تقوم على القوة الناعمة وتحسين الصورة؛ لذلك ربط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بين إلغاء «الكود الأسود» وبين مفهوم «التعويض الحقيقي» الذي يتجاوز مجرد الحبر على الورق[9].
هذا التعويض يُسوَّق له على أنه يتكامل مع التوجه الفرنسي الجديد الرامي إلى «إعادة الممتلكات الثقافية والقطع الفنية المنهوبة» إلى موطنها الأصلي في الدول الإفريقية، مما يعزز مصداقية الخطاب السياسي الفرنسي الرامي إلى بناء علاقات ثقافية جديدة ومتوازنة. ولذلك؛ يُنظر إلى هذه الرؤية على أنها محاولة من «ماكرون» للربط بين إلغاء القانون وإعادة الآثار الإفريقية، بما يمثل إستراتيجيةً سياسية متكاملة تُسمّى «التعويض عبر الاسترداد الرمزي»؛ إذ تلجأ باريس إلى أساليب القوة الناعمة الثقافية للتقارب مع الشعوب الإفريقية محاوِلةً كسب «مصداقية سياسية»، مما يسحب البساط من القوى الدولية المنافسة (مثل الصين وروسيا) التي تتهم فرنسا بالنهب المستمر لإفريقيا.
3- إعادة فتح وتنشيط ملف «التعويضات التاريخية»:
على الرغم من أن القانون الفرنسي الجديد صُمّم ليكون إجراءً رمزياً وأخلاقياً لا يتضمن بنداً للتعويضات المادية المباشرة[10]؛ فإن إقراره أعاد إشعال النقاش السياسي والأكاديمي بقوة داخل إفريقيا وخارجها حول مسألة «العدالة التاريخية الكاملة». وتصاعدت المطالب من قِبل ناشطين وباحثين أفارقة بضرورة انتقال فرنسا من «الرمزية» إلى خطوات عملية تشمل: تمويل قطاعات التعليم حول تاريخ العبودية، ودعم برامج التنمية الاقتصادية في المجتمعات المتضررة، ومراجعة العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة الناتجة عن موروث الاستعمار.
لذلك؛ أبرزت النقاشات البرلمانية الجذور الإفريقية للعديد من المواطنين والمسؤولين الفرنسيين الحاليين الذين ينحدرون من سلالات المستعبدين[11]، مما يرسخ الترابط البشري والتاريخي بين الطرفين. بالإضافة إلى ذلك، فإن القانون يُلزم الحكومة الفرنسية بتقديم تقارير حول الآثار الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المستمرة للحقبة الاستعمارية، مما يفتح باباً لحوار أكثر عمقاً مع الدول الإفريقية لمعالجة قضايا العرق، والتمييز، والتفاوتات التنموية الحالية التي تمتد جذورها إلى زمن «الكود الأسود».
ومن جانب آخر، يربط البعض بين إلزام الحكومة الفرنسية بتقديم تقارير حول الآثار المستمرة للحقبة الاستعمارية، وطبيعة الأحياء الشعبية في باريس والمدن الفرنسية الأخرى التي يقطنها الكثير من الأفارقة المهاجرين؛ والتي تُطرح في النقاشات على أنها انعكاس للممارسات العنصرية التي تكرّس التمييز العرقي والتهميش الاقتصادي لهؤلاء المهاجرين، وتعتبرها امتداداً لروح القوانين العنصرية ومن بينها «الكود الأسود». أي أن هذه المعالجات يجب ألّا تتم على أساس خارجي في علاقات فرنسا الدولية فحسب؛ بل يجب أن تعالج مشكلات الداخل أيضاً.
رابعاً: فجوة المبادئ والممارسات.. لماذا يظل إلغاء القانون عاجزاً عن ترميم العلاقات مع إفريقيا؟:
إن أزمة العلاقات الفرنسية الإفريقية ليست أزمة نصوص قانونية قديمة، بل هي أزمة مركبة من إرث تاريخي استعماري وسياسات معاصرة. لذلك؛ فإن إلغاء هذا القانون لا يُعتبر كافياً لتحسين العلاقات الإفريقية الفرنسية، وذلك للأسباب الآتية:
1- استمرار آليات الاستعمار الجديد بالنسبة للمواطن الإفريقي:
لا تزال تسيطر على الشعوب الإفريقية نظرةٌ رافضة للوجود الفرنسي؛ إذ تعتبر أن ممارسات فرنسا منذ استقلال الدول الإفريقية إنما تمت على أُسس شكلية، وأن باريس استعانت بعد الاستقلال بممارسات وسياسات استعمارية قامت من خلالها بنهب القارة[12]. ويشمل ذلك التحكم في العملة (فرنك غرب إفريقيا ووسط إفريقيا المُعزِّز للتبعية لباريس)، والاتفاقيات الاقتصادية غير المتكافئة التي تمنح الشركات الفرنسية الكبرى الأولوية في استغلال الموارد الطبيعية والمعادن الإفريقية. كما أن هذا القانون جاء في توقيت تشهد فيه دول منطقة الساحل (مثل: مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر) قطيعةً مع فرنسا وتصاعداً للمشاعر المناهضة لها. وترى شعوب هذه المنطقة أن التدخلات العسكرية الفرنسية ودعم باريس للأنظمة الاستبدادية لضمان مصالحها يتعارضان تماماً مع خطاب «الكرامة والمساواة» الذي تروّج له فرنسا عبر إلغاء القوانين القديمة.
2- السياسات الحمائية والقيود على الهجرة:
هناك تناقض حاد تراه النخب الإفريقية بين احتفاء فرنسا بإلغاء «الكود الأسود» والاعتراف بالجذور الإفريقية لبعض مواطنيها، وبين سياساتها الصارمة والمقيدة لمنح التأشيرات للأفارقة (بمن فيهم الطلاب، والباحثون، والأكاديميون)، فضلاً عن تصاعد الخطاب اليميني المناهض للمهاجرين داخل المجتمع الفرنسي[13].
3- بطء مسار استعادة الآثار والتعويضات:
رغم إشارة الرئيس ماكرون إلى أن التعويض المعنوي يشمل إعادة الممتلكات الثقافية؛ فإن العملية الفعلية لاستعادة الآثار الإفريقية المنهوبة والموجودة في المتاحف الفرنسية- مثل متحف رصيف برانلي Musée du quai Branly- تسير ببطء شديد، وتخضع لتعقيدات قانونية وبيروقراطية طويلة، مما يجعل الوعود الفرنسية تبدو مجرد شعارات سياسية. بالإضافة إلى ذلك، تُعدّ قضية دفع التعويضات من أهم القضايا التي ستواجه تعقيدات كبرى في إطار الرفض الفرنسي القاطع لمبدأ التعويض المادي[14].
ختاماً:
يمكن القول إن قرار الجمعية الوطنية الفرنسية بإلغاء «الكود الأسود» رسمياً يُمثل خطوة تاريخية تحمل في طياتها دلالات رمزية بالغة الأهمية، ومحاولةً لتطهير المنظومة التشريعية من ترسبات الحقبة الاستعمارية. إلا أن هذا الإجراء، وعلى الرغم من أبعاده المعنوية ومساعيه الرامية إلى تصفية الذاكرة الاستعمارية وسد الفجوة بين مبادئ الجمهورية وواقعها التاريخي، يظل قاصراً عن إحداث تحول حقيقي وجذري في مسار العلاقات الفرنسية الإفريقية المعاصرة.
إن الأزمة الراهنة بين باريس والقارة السمراء تتجاوز مجرد نصوص قانونية قديمة طواها الزمن تشريعياً وعملياً، لتضرب بجذورها في عمق ممارسات ملموسة وإستراتيجيات مستمرة يراها العقل الإفريقي امتداداً لـ«الاستعمار الجديد». فما دامت آليات التبعية الاقتصادية والمالية قائمة، ومسارات استعادة الهوية والآثار الثقافية المنهوبة مكبلةً بالبيروقراطية، والسياسات الحمائية تجاه المهاجرين في الداخل الفرنسي تكرّس التهميش، فإن هذه الخطوات التشريعية ستظل في نظر النخب والشعوب الإفريقية مجرد شعارات سياسية وتنازلات رمزية مدفوعة ببرغماتية فرنسية لمحاصرة النفوذ الدولي المتنامي للقوى المنافسة في المنطقة.
وبناءً على ذلك؛ فإن صناعة مستقبل مشترك ومتوازن بين الطرفين لا تتطلب مجرد إلغاء أرشيف القوانين الجائرة، بل تستلزم تفكيكاً حقيقياً لآليات الهيمنة المعاصرة، والانتقال من «العدالة الرمزية» إلى خطوات عملية ملموسة تقوم على المساواة الدستورية والاقتصادية الكاملة، والاعتراف الصريح بالحقوق والتعويضات التاريخية، سواءٌ في أقاليم ما وراء البحار أو في عمق القارة الإفريقية.





