بكالوريا 2026.. حين تكشف نسبة النجاح المتدنية أزمة المدرسة الجمهورية؟/أحمد ولد الدوه
أعادت نتائج امتحان البكالوريا الوطنية لسنة 2026 فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في موريتانيا: ملف التعليم ومستقبل المدرسة الجمهورية
فمع إعلان النتائج، وما رافقها من نسبة نجاح متدنية جداً، لم يعد السؤال المطروح مجرد سؤال عن عدد الناجحين والراسبين، وإنما أصبح سؤالاً أكبر وأكثر إلحاحاً: ماذا يحدث في منظومتنا التعليمية؟ وأين تكمن المشكلة؟
ووفق المعطيات المتداولة، نسبة النجاح في الدورة الأولى من بكالوريا 2026 متدنيةجدا جدا على المستوى الوطني، وهو ما تثير القلق والاستغراب، وتفرض على الجهات المعنية فتح نقاش وطني جاد ومسؤول حول أسباب هذه النتائج، بعيداً عن التبرير السهل أو تحميل المسؤولية لطرف واحد.
فإذا كان هذا المستوى المتدني من النجاح يعكس بالفعل ضعفاً عاماً في مستوى التلاميذ، فإن
السؤال يصبح:
كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟
هل المشكلة في المناهج الدراسية؟
أم في طرق التدريس؟
ام في تكوين المدرسين؟
أم في الاكتظاظ؟
أم في غياب المتابعة والتقييم المستمر؟
أم في ضعف التنسيق بين الأسرة والمدرسة؟
أم أن هناك خللاً أعمق في السياسة التعليمية نفسها؟
أما إذا كانت النتائج لا تعكس المستوى الحقيقي لجميع المترشحين، فإن السؤال يصبح أكثر حساسية:
هل نحتاج إلى مراجعة منظومة الامتحانات والتصحيح والتقييم؟
إن انخفاض نسبة النجاح قد يكون، في بعض الحالات، نتيجة لتطبيق معايير صارمة، وهذا أمر لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشكلة في حد ذاته. فالشهادة التي لا تقوم على الاستحقاق تفقد قيمتها.
لكن الصرامة في الامتحان يجب أن تترافق دائماً مع العدالة والدقة والشفافية، حتى يطمئن الجميع إلى أن كل مترشح حصل على النتيجة التي يستحقها فعلاً.
وهنا تبرز أهمية مراجعة جميع مراحل الامتحان، ابتداءً من إعداد المواضيع، مروراً بظروف الإجراء، ووصولاً إلى التصحيح وإدخال العلامات وإعلان النتائج.
فنزاهة الامتحان لا تعني فقط منع الغش داخل قاعة الاختبار، وإنما تعني أيضاً ضمان سلامة عملية التصحيح، وتوحيد معايير التنقيط، وتدقيق العلامات، ومراجعة البيانات، والتأكد من عدم وقوع أخطاء بشرية أو تقنية قد تؤثر في مستقبل التلاميذ.
ومن حق المجتمع، في هذا السياق، أن يطالب بوجود آليات واضحة وفعالة للتظلم والمراجعة، تمكن المترشح من طلب التحقق من نتيجته عند وجود أسباب جدية، دون أن يتحول ذلك إلى تشكيك شامل في عمل المصححين أو المؤسسات المشرفة على الامتحان.
كما أن ما يثار من حين لآخر حول محاولات الغش بوسائل إلكترونية متطورة، أو تدخلات غير مشروعة، أو ممارسات فردية تمس عدالة الامتحان، ينبغي أن يخضع للتحقيق والمساءلة إذا ثبت وقوعه. فالغش ليس مجرد مخالفة عابرة،
وإنما اعتداء على مبدأ تكافؤ الفرص، وإضرار مباشر بمصداقية الشهادة الوطنية.
لكن، في المقابل، لا ينبغي أن يتحول النقاش حول نتائج البكالوريا إلى محاكمة جماعية للمدرسين والمصححين.
فهناك آلاف المعلمين والأساتذة الذين يؤدون رسالتهم في ظروف صعبة، ويبذلون جهوداً كبيرة من أجل تعليم الأجيال، ويقومون بمهامهم بكل أمانة ونزاهة.
المشكلة، إن وجدت، أكبر من الأشخاص، وتتعلق بمنظومة متكاملة تحتاج إلى تقييم شامل.
المدرسة العمومية..
أين ذهبت ثمار الاستثمار؟
إن أكثر ما يثير التساؤلات هو وضع المدرسة العمومية، التي يفترض أن تكون العمود الفقري للتعليم الوطني.
فالدولة تنفق سنوياً مليارات الأوقية على قطاع التعليم، وتخصص له موارد بشرية ومالية معتبرة، ولذلك فإن من حق المواطن أن يسأل: ما هي حصيلة هذا الإنفاق؟ وما مدى انعكاسه على مستوى التلاميذ؟
وإذا صحت المعطيات المتداولة التي تشير إلى أن نسبة النجاح في بعض المؤسسات التعليمية الخصوصية بلغت نحو 13%، في مقابل نتائج شديدة التدني على مستوى المدرسة العمومية،
فإن هذه المفارقة تستحق دراسة جدية وعميقة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن المدرسة الخصوصية هي الحل، أو أن المدرسة العمومية فاشلة بكل المقاييس، وإنما يعني أن هناك حاجة ملحة إلى مقارنة موضوعية بين أداء المؤسستين، ودراسة أسباب الفوارق في النتائج، من حيث ظروف التدريس، وعدد التلاميذ في الأقسام، والاستقرار المدرسي، والموارد البشرية، والمتابعة، والوسائل التعليمية.
فإذا كانت المدرسة العمومية تستحوذ على الجزء الأكبر من الموارد التعليمية، ثم تعجز عن تحقيق نتائج مرضية، فإن المشكلة لا ينبغي أن تُواجه بالصمت أو التبرير، وإنما بالتقييم والمساءلة والإصلاح.
البكالوريا مرآة للتعليم وليست سبباً في أزمته
من الخطأ تحميل امتحان البكالوريا وحده مسؤولية النتائج.
فالامتحان في النهاية هو مرآة لمسار تعليمي يمتد لسنوات طويلة.
والتلميذ الذي يدخل امتحان البكالوريا لا يبدأ التعلم في السنة النهائية، وإنما يأتي إليها بعد سنوات من التعليم الأساسي والإعدادي والثانوي.
لذلك فإن تدني النتائج، إذا كان واسعاً ومتكرراً، يجب أن يدفعنا إلى العودة إلى المراحل الأولى من التعليم، والبحث عن مكامن الخلل منذ السنوات الأولى.
هل يتقن التلميذ القراءة والكتابة والحساب في الوقت المناسب؟
هل يمتلك المهارات الأساسية التي تمكنه من مواصلة تعليمه؟
هل يحصل على الدعم الكافي عندما يتعثر؟
هل توجد آليات فعالة لاكتشاف نقاط الضعف ومعالجتها قبل الوصول إلى مرحلة البكالوريا؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في صلب أي إصلاح حقيقي.
لا إصلاح للتعليم دون تشخيص شجاع
إن أسوأ ما يمكن أن نفعله هو أن نكتفي بإعلان النتائج ثم ننتقل إلى الحديث عن دورة جديدة، دون أن نتوقف طويلاً أمام الأرقام ونحللها ونفهم أسبابها.
نحن بحاجة إلى تشخيص وطني شامل لمنظومة التعليم، تشخيص لا يخشى الاعتراف بالأخطاء، ولا يبحث عن كبش فداء، ولا يكتفي بإلقاء المسؤولية على الأسرة أو المدرس أو التلميذ.
نحتاج إلى معرفة حقيقة ما يحدث داخل مدارسنا، وحقيقة مستوى التلاميذ، وحقيقة أداء المدرسين، وحقيقة المناهج، وحقيقة الامتحانات.
ونحتاج كذلك إلى نشر معطيات دقيقة وشفافة حول نتائج البكالوريا، بحسب الشعب، والمناطق، ونوع المؤسسات التعليمية، حتى يتمكن الباحثون والخبراء والرأي العام من فهم الصورة كاملة.
فالمعلومة الشفافة ليست تهديداً للمنظومة، بل هي أساس إصلاحها.
السؤال الذي يجب ألا نهرب منه:
إن بكالوريا 2026 تضعنا أمام سؤال مصيري لا ينبغي الهروب منه:
هل نسبة النجاح المتدنية تعكس فعلاً مستوى أبنائنا وبناتنا؟ أم أنها تكشف عن خلل في منظومة التعليم والامتحانات والتقييم؟
إذا كانت النتائج تعكس المستوى الحقيقي، فعلينا أن نعترف بأن المدرسة الموريتانية تواجه أزمة حقيقية، وأن نبدأ إصلاحاً عميقاً يبدأ من التعليم الأساسي ولا ينتهي عند البكالوريا.
وإذا كانت النتائج لا تعكس المستوى الحقيقي للتلاميذ، فإن علينا مراجعة منظومة الامتحانات والتصحيح والتقييم، وضمان أن يحصل كل مترشح على حقه كاملاً.
وفي كلتا الحالتين، فإن الاستمرار في الوضع الحالي ليس خياراً.
فالتعليم ليس مجرد بند في الميزانية، ولا مجرد أرقام في تقارير الوزارات، ولا مناسبة سنوية لإعلان الناجحين والراسبين.
التعليم هو مستقبل الدولة.
والأموال التي تنفق عليه ليست خسارة، بل استثمار في الإنسان، لكن الاستثمار لا يقاس بحجم الإنفاق وحده، وإنما بما يحققه من نتائج.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس فقط الاحتفال بالناجحين، ولا مواساة الراسبين، وإنما فتح ورشة وطنية حقيقية حول التعليم الموريتاني، تبدأ من سؤال صريح وشجاع:
أين تكمن المشكلة؟
هل المشكلة في المدرسة؟ أم في المنهج؟ أم في الأستاذ؟ أم في الأسرة؟ أم في التلميذ؟ أم في منظومة الامتحان والتقييم؟
والأهم من ذلك كله:
متى نبدأ الإصلاح؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي الطريق الوحيد لضمان أن تكون شهادة البكالوريا الموريتانية عنواناً للعلم والكفاءة والاستحقاق، وأن يحصل كل تلميذ على حقه كاملاً، وأن تتحول المدرسة من مجرد مؤسسة للتلقين إلى مصنع حقيقي للإنسان الذي تبنى به الأوطان.




