بين الإنصاف الشامل والاستقطاب السياسي/القطب ولدسيداتي
أثارت الوثيقة الوطنية حول سبل معالجة مظالم وانتهاكات حقوق الإنسان نقاشاً واسعاً، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى حساسية الموضوع وارتباطه بجراح ما زالت حاضرة في الذاكرة الوطنية.
غير أن ما يثير الاستغراب هو انتقال بعض النقاش من مناقشة مضامين الوثيقة وأفكارها إلى تصنيف مواقف الموقعين عليها وفق انتماءاتهم الفكرية والسياسية، فظهرت عناوين من قبيل “القوميون ينتفضون ضد معالجة ملف الإرث الإنساني”، وقابلتها ردود من قبيل “الإسلاميون ينتفضون ضد عدالة المظالم”.
والحقيقة أن هذا النوع من السجال لا يخدم لا الضحايا ولا الحقيقة ولا المصالحة الوطنية، بل يعيد إنتاج الاستقطابات التي ساهمت في تعقيد الملف طوال عقود.
فالوثيقة لم تصدر عن تيار سياسي واحد، ولا عن مدرسة فكرية بعينها، بل وقع عليها أشخاص ينتمون إلى خلفيات قومية وإسلامية وليبرالية ومستقلة، كما تضم شخصيات من مختلف المكونات المهنية والسياسية. وهذا التنوع في حد ذاته رسالة مهمة مفادها أن قضية الإنصاف ليست قضية فئة سياسية ضد أخرى، ولا قضية مكون اجتماعي ضد آخر، وإنما هي قضية وطنية جامعة.
ومن الخطأ اختزال النقاش في مواجهة متخيلة بين “القوميين” و”الإسلاميين”، لأن ذلك يفترض أن الموقعين على الوثيقة يمثلون موقفاً أيديولوجياً موحداً، وهو ما لا تعكسه حقيقة قائمة الموقعين ولا مضمون الوثيقة نفسها. كما أنه يختزل اعتراضات بعض منتقدي الوثيقة في انتماءاتهم الفكرية، بدل مناقشة حججهم وأفكارهم.
إن السؤال الحقيقي ليس: من الذي انتفض ضد من؟
وإنما: ما هي أفضل السبل لإنصاف الضحايا كافة، وتحقيق المصالحة الوطنية، ومنع تكرار الانتهاكات؟
وفي هذا السياق فإن جوهر الوثيقة يقوم على فكرتين متكاملتين:
الأولى: أن جميع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان يستحقون الاعتراف والإنصاف، أياً كانت انتماءاتهم السياسية أو الاجتماعية أو العرقية.
والثانية: أن المساواة في الحق في الإنصاف لا تعني التماثل بين المظالم في الحجم أو الطبيعة أو الآثار.
فليس من العدل أن يُحرم ضحايا بعض الانتهاكات من الاعتراف بمعاناتهم لأن مظالمهم لم تحظ بالاهتمام الإعلامي أو السياسي الكافي، كما أنه ليس من العدل تجاهل خصوصية بعض الملفات التي كانت أوسع نطاقاً وأشد أثراً من غيرها.
ومن هنا فإن توسيع دائرة الإنصاف لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انتقاصاً من أي مظلمة قائمة، كما أن الاعتراف بخصوصية بعض المظالم لا ينبغي أن يتحول إلى احتكار للذاكرة الوطنية أو حصر للمعاناة في إطار فئة واحدة.
لقد شهد تاريخ موريتانيا الحديث مظالم متعددة، أصابت في أحيان كثيرة أفراداً أو جماعات تنتمي إلى مكونات اجتماعية مختلفة وتيارات سياسية متباينة.
وإذا كان من المشروع توصيف الوقائع كما جرت تاريخياً، فإن بناء العدالة لا ينبغي أن يقوم على تصنيف المواطنين وفق أصولهم وانتماءاتهم، وإنما على أساس مواطنتهم وحقوقهم المتساوية أمام الدولة.
إن مسؤولية الدولة عن الانتهاكات التي ارتكبت باسمها هي مسؤولية وطنية، ومعالجتها ينبغي أن تبقى شأناً وطنياً جامعاً، لا مناسبة لإحياء خطوط الانقسام أو لتبادل الاتهامات بين التيارات السياسية.
ولعل أكبر خطر يواجه أي مشروع للإنصاف والمصالحة هو أن يتحول من جسر يوصل بين الموريتانيين إلى ساحة جديدة للصراع بينهم.
إن الوطن لا يحتاج اليوم إلى تنافس بين المظالم، ولا إلى مزايدات حول من يمثل الضحايا أكثر من غيره، بل يحتاج إلى توافق واسع حول حقيقة بسيطة وعادلة: أن كل مظلوم يستحق الإنصاف، وأن كل انتهاك يستحق الاعتراف، وأن وحدة المجتمع تظل شرطاً لازماً لنجاح أي مصالحة حقيقية.
فإذا نجحنا في ترسيخ هذه القاعدة، فلن يكون المنتصر قومياً أو إسلامياً أو غير ذلك، وإنما ستكون المنتصرة هي موريتانيا.




