بين الإصلاح والمحسوبية: قراءة في مسابقة ترقية “المكونين” بمدارس تكوين المعلمين / عبدالله ولد امباتي

يصعب على المتابع للشأن التربوي والقانوني في بلادنا أن يستوعب كيف يمكن لـ”خطيئة إدارية” واضحة العيان أن تتحصن بالوقت، وتمر عبر قنوات الرقابة دون أن يوقفها أحد. من الغريب حقاً، بل ومن المثير للدهشة والاستغراب، أن مسابقة شابها عوار قانوني وتناقض صارخ مع مبدأ تكافؤ الفرص، استطاعت أن تمر بسلاسة منذ أواخر عام 2021، ليجني مستحقو “الترقيات الالتوائية” ثمارها ويديروا دفة التكوين لسنوات في مدارس تكوين المعلمين، دون أي تحرك لتصحيح وضعية مقلوبة جعلت من غير المؤهلين مكونين لمن يفترض بهم تعليم أجيال المستقبل.
إن كشف هذه التجاوزات الخطيرة التي شهدتها مسابقة ترقية المكونين لعام 2021، ليس مجرد بكاء على أطلال مرحلة إدارية مضت، بل هو دعوة ملحة ومسؤولة لتوجيه الرأي العام الوطني، ووضع النقاط على الحروف أمام صناع القرار.
إننا اليوم في ظل عهد سياسي جديد يضع على رأس أولوياته “الإصلاح، الإنصاف، والعدالة الاجتماعية” كركائز إستراتيجية لبناء الدولة، وهي السياسة التي أعلنها ويمضي في تنفيذها فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني.
وفي ظل الشعارات السابقة، كان الرأي العام قد استبشر خيراً بالخطوات المعلنة لتطوير وإصلاح مدارس تكوين المعلمين. لكن، وبشكل صادم، كشفت الممارسة الإدارية في حقبة الوزير ماء العينين ولد أييه وعبر مغالطات مديري تلك المدارس آنذاك عن تناقض صارخ بين الشعار المرفوع والواقع المطبق، حيث تحولت بعض الإجراءات الاستثنائية إلى أدوات لخرق القانون وضرب مبدأ تكافؤ الفرص.
إن النظام العام للوظيفة العمومية، والنظم الخاصة بأسلاك التعليم، تقوم على مبادئ دستورية وقانونية ثابتة لا يمكن تجاوزها بموجب مذكرات عمل داخلية أو قرارات إدارية مؤقتة. وينص الدستور صراحة على مساواة جميع المواطنين في ولوج الوظائف العمومية بناءً على الكفاءة والاستحقاق. لكن فتح مسابقة “مفصلة على المقاس” لمجموعة تم انتقاؤها مسبقاً عبر مذكرات تحويل “شخصية” أو “تكليفات داخلية” هو التواء صريح على هذا المبدأ. ووفقاً للنصوص القانونية المنظمة لأسلاك التعليم، فإن الترقية إلى رتبة “مكون بمدارس تكوين المعلمين ” تشترط حيازةً صريحةَ لمؤهل أكاديمي محدد في التخصص المطلوب (شهادة السلك الأول من التعليم العالي)، وأقدمية خدمة فعلية محددة بوضوح لضمان الخبرة الميدانية.
لكن بعض مديري مدارس تكوين المعلمين في تلك الحقبة لعبوا دوراً محورياً في هندسة تجاوزات خطيرة جدا من خلال آلية “التكليف بالتدريس” لبعض المعلمين ممن كانوا في مناصب إدارية أو استفادوا من مذكرات تحويل للمدرسة بعلاقات شخصية، بحجة نقص المكونين ودون الالتفات لشرط وجود مؤهل في التخصص، وإن كان ذلك تحت سلطة تقديرية فإنه كان نواة لخلق وضعية لا يمكن بأي حال تبريرها.
ولم تكن هندسة هذا التجاوز وليدة الصدفة، بل أسست عبر مذكرات تحويل وتكليف داخلية أصدرها مديرو مدارس تكوين المعلمين قبل سنوات من المسابقة لمسار توج بالإعلان عن فتح مسابقة داخلية لترقية 30 مكوناً لصالح مدارس المعلمين، لكن تكليف هؤلاء المعلمين بالتدريس في مدارس التكوين بروابط شخصية ومن دون مؤهلات أكاديمية في التخصص كان إجراءً غير وارد ولا يستند إلى أي أصل شرعي. وإذا كانت مدارس تكوين المعلمين قد واجهت نقصاً في المكونين، فإن الإجراء القانوني السليم هو التعاقد المؤقت مع مكونين مؤهلين وأصحاب شهادات في التخصص، كحل مؤقت في انتظار تنظيم اكتتاب رسمي، أو حتى تكليف من يحمل المؤهلات المطلوبة من الطاقم بهذه المهمة، أما أن تقوم الإدارة بخلق واقع غير قانوني ويستفيد منه أشخاص غير مؤهلين بالمحسوبية، ثم تتذرع به لتنظيم مسابقة “مفصلة على المقاس” لتسوية وضعيتهم، فهذا تجسيد صارخ للقاعدة الفقهية: “ما بُني على باطل فهو باطل”، إذ لا يمكن للإدارة أن تولد مركزاً قانونياً شرعياً من وضعية غير شرعية أصلاً.
إن مواطن التجاوزات التي انتهجها مديرو مدارس التكوين المعلمين آنذاك متعددة، حتى ولو كنت غير ملم بما يجري في أروقة تلك المدارس فلك أن تكتشف من خلال بلاغ المسابقة بعضاً منها، إذ جاء في الشروط أن المسابقة حصرية لمن لديهم 3 سنوات من التكليف بالتدريس داخل مدارس تكوين المعلمين، وهذا ما يسمى قانونياً بتفصيل شرط التأهيل الإداري لحرمان بقية الموظفين، ثم إن المفهوم القانوني والشرعي لـ “المسابقة الداخلية” في النظم الوظيفية واهتمامها الأساسي بالترقية، يقصد به فتح الباب أمام كافة منتسبي سلك المعلمين على المستوى الوطني ممن استوفوا الشروط القانونية والأقدمية، لإتاحة الفرصة للكفاءات الميدانية بالتنافس الشريف، لكن الإدارة آنذاك حرفت هذا المفهوم وحصرته ضيقاً بـ “من هم داخل أسوار مدارس تكوين المعلمين فقط”، محولةً المسابقة من أداة وطنية للترقية بناءً على الجدارة، إلى آلية “مغلقة” لشرعنة الامتيازات وحرمان آلاف المعلمين الأكفاء من حقهم الطبيعي في التنافس الحر وتكافؤ الفرص.
وبالنظر في النظم الخاصة لأسلاك التعليم، وهي التشريع الأساسي الحاكمة لأسلاك التعليم نجد أنها نصت على أن ولوج أسلاك مجالات التخصص يتم عبر المسابقة و/أو الامتحان المهني مع وجوب احترام الشروط المتعلقة بالشهادات، وهي تشترط صراحة للولوج إلى سلك مكون بمدارس المعلمين حيازة شهادة السلك الأول من التعليم العالي كحد أدنى في التخصص المفتوح، فالشهادة نص آمر لا تسقطه المذكرات، وقيام اللجنة الوطنية للمسابقات أو الوزارة بقبول ملفات ناجحين بناءً على “إفادة تكليف بالتدريس” صادرة عن مدير مدرسة تكوين المعلمين، مع خلو ملفاتهم من شهادة السلك الأول الجامعي في التخصص، يعد خرقاً فاضحاً للقانون. وحتى لو تذرع المدافعون عن تلك الحقبة بأن بعض هؤلاء الناجحين كانوا يحملون شهادات في التخصص سابقة على تاريخ تنظيم المسابقة، فإن هذا الدفع يرتد عليهم ليتحول إلى دليل إدانة دامغ يثبت سبق الإصرار والترصد في هندسة المحسوبية. مع العلم أن السواد الأعظم ممن استفادوا من هذا التجاوز ليست لديهم المؤهلات المطلوبة في التخصص. وقد عمد مديرو مدارس التكوين آنذاك على مغالطة الوزارة وخداع الجميع، إذ يتبادر للجميع عند سماعهم “مكلف بالتدريس” استيفاءه الشروط المتعلقة بالشهادة في التخصص، ووجود الحاجة.
وحتى ولو كانت هناك الحاجة وهو ما لم يكن فإن وجود شهادة سابقة يكشف كيف تم انتقاء هؤلاء الأشخاص بروابط شخصية وتحويلهم في صمت لمدارس التكوين، ليفصل لهم لاحقاً شرط حصر المسابقة فيمن هم ‘داخل الأسوار’ فقط.
إن حيازة أحدهم لشهادة سابقة لا تمحو الجريمة القانونية والأخلاقية المقترفة في حق آلاف المعلمين المتميزين في أرياف ومدن الوطن، والذين كانوا يحملون شهادات مماثلة أو أعلى في ذات التاريخ، لكنهم أُقصوا تعسفياً وحرموا من حق التنافس الشريف لمجرد أنهم لا يملكون قنوات خلفية تمنحهم مذكرات تكليف داخل جدران مدارس تكوين المعلمين. إنها مسابقة قامت في أصلها على هندسة الإقصاء، ووجود الشهادة السابقة لبعض الأفراد لا يطهر الإجراء الإجمالي من عيب الانحراف بالسلطة وضرب مبدأ تكافؤ الفرص. وهو ما يتعارض مع النظام العام للموظفين والوكلاء العقدويين للدولة القائم على مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة.
هذه المسابقة التي صُممت خصيصاً لشرعنة وضعية مجموعة ولجت المدارس بروابط شخصية، في خرق سافر للقوانين والنظم وخصوصا النظام الخاص لأسلاك التعليم الأساسي والثانوي، والتي تشترط صراحة ضرورة حيازة شهادة السلك الأول من التعليم العالي بالتخصص لولوج سلك (مكون بمدارس تكوين المعلمين)، يفضحها بلاغها وهو ما يثبت بالدليل القاطع المتوفر على موقع اللجنة الوطنية للمسابقات أن أشخاصاً نجحوا واكتسبوا صفة مكون وهم لا يحملون شهادة في التخصص أو حتى شهادة جامعية أصلاً.
إن فاقد الشيء لا يعطيه، وإذا كانت مدارس تكوين المعلمين هي المصنع الأول الذي يمد المدارس الابتدائية بالقادة التربويين، فإن تسليم مفاتيح هذا المصنع لأشخاص لا يملكون الأهلية الأكاديمية ولا التخصص العلمي هو بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة على “المدرسة الجمهورية” وشعارات الإنصاف.
كيف يمكن لـ”مكوِن” لايملك مؤهلا في التخصص، ولم يتلق تكويناً أكاديمياً معمقاً فيه، أن يغرس في المعلم ما يمكنه من أداء مهمته؟ إن خطورة هذا التجاوز لا تقف عند حدود خرق القانون وإضاعة حقوق المعلمين الأكفاء فحسب، بل إن خطره الأكبر يكمن في “تأميم الرداءة”؛ حيث يتولى غير المؤهلين صياغة عقول معلمي المستقبل، لينعكس ذلك ضعفاً وهشاشة في مستويات تلاميذنا في المدارس الابتدائية.
إن مسابقة ترقية المعلمين المكلفين بالتدريس بمدارس تكوين المعلمين في تلك الفترة، وإن توشحت بوشاح “المسابقة الشرعية”، إلا أنها في العمق كانت عملية تبييض لإجراءات إدارية باطلة. إن إصلاح التعليم لا يمكن أن يتحقق بأدوات تفتقر إلى النزاهة والإنصاف، وتطهير هذا الملف يعد الخطوة الأولى لإعادة الاعتبار لهيبة الوظيفة العمومية ومصداقية التكوين التربوي. فبهذه القفزة البهلوانية، تحولت المسابقة من أداة وطنية لإنصاف المعلمين الأكفاء بناءً على الشهادة والأقدمية العامة، إلى آلية حصرية لـ”تبييض” وضعية الفئة المقربة التي تم إدخالها خلف الأسوار بروابط شخصية، وسط ذهول وتهميش آلاف المعلمين المستحقين ميدانياً وأكاديمياً.
ولم تكن مرارة هذا الخرق القانوني حبيسة النصوص والأوراق الفنية، بل تجسدت واقعاً أليماً داخل قاعات مدارس تكوين المعلمين؛ حيث ينقل لي أحد المكونين الأكفاء – ممن ولجوا السلك بمسار شرعي ونزيه بناءً على جدارتهم وشهاداتهم العليا – شهادة حية يملؤها الأسى وخيبة الأمل. يقول هذا المكون متحدثاً عن تجربته في مزاولة المهنة: ‘لقد كانت صدمتي بالغة حين وجدت نفسي مجبراً على تقاسم أعباء هذه الأمانة التربوية الثقيلة مع أشخاص دُفع بهم إلى سلك المكونين دون مؤهلات، وهم بعيدون كل البعد عن الحد الأدنى من المستوى الأكاديمي والمعرفي المطلوب لهذه المهمة الحساسة. إن الجلوس في قاعات الاجتماعات مع أشخاص يعجزون عن تفكيك المناهج الحديثة أو تقديم عمق معرفي للمعلمين، يشعرك بوطأة الكارثة التي حلت بالمنظومة، ويصيب الكفاءات الحقيقية بالإحباط والخذلان حين يرى الرداءة وهي تُشرعن وتُفرض كأمر واقع داخل أروقة المدارس’. إن هذه الشهادة الحية تختصر حجم الجناية التي ارتكبتها تلك التجاوزات الإدارية في حق مصداقية التكوين وهيبة المؤسسة التربوية.
إن إصلاح التعليم لا يبدأ من ترميم الجدران وزيادة البنية التحتية أو إطلاق الشعارات الرنانة في المؤتمرات، بل يبدأ من نزاهة ومصداقية “المكون”. وعندما تتحول رتبة “مكون بمدارس تكوين المعلمين” من وظيفة مستحقة بالجدارة والشهادة، إلى “جائزة ترضية” تمنحها المحسوبية والروابط الشخصية، فإن خطط الإصلاح تتحول إلى مجرد حبر على ورق، ويصبح الحديث عن جودة التعليم نوعاً من الوهم الممنهج.
وحيث تعيش البلاد حراكاً حقيقياً يقوده رئيس الجمهورية لتأسيس “المدرسة الجمهورية” القائمة على معايير صارمة من الجودة والإنصاف. فإننا نجد أنفسنا أمام تناقض كبير؛ فبينما تحارب الدولة الفساد الإداري وتسعى للنهوض بالتعليم، ما زالت مخرجات “مسابقة تبييض المكونين لعام 2021” تتحكم في مصير تكوين المعلمين. إن استمرار هؤلاء غير المؤهلين في مناصبهم حتى اليوم، يمثل ثغرة عميقة في جدار الإصلاح الحالي، ويؤكد أن مخلفات التجاوزات الماضية ما زالت تعيق تحقيق الإنصاف الذي تنشده القيادة العليا للبلد. ومن هنا، فإن التناقض يصبح صارخاً وغير مقبول بين الرؤية السامية لرئيس الجمهورية التي تسعى جاهدة لتأسيس “المدرسة الجمهورية” ، وبين بقاء مخلفات إدارية هجينة مكنت أشخاصاً غير مؤهلين من الترقية لمكون بمدارس تكوين المعلمين بالمحسوبية.
إن إصلاح هذا الخلل الإداري والتربوي الفادح لم يعد ترفاً، بل هو اختبار حقيقي لمدى التزام قطاع التربية بتجسيد إرادة رئيس الجمهورية في الإصلاح. لذلك، فإن الرأي العام الوطني، والشركاء التربويين، والنقابات المستقلة، مطالبون اليوم بالوقوف بحزم لفرض مراجعة شاملة لملفات مكوني مدارس تكوين المعلمين، وإعادة الأمور إلى نصابها القانوني والأكاديمي الصحيح؛ فلا إصلاح لتعليمنا، ولا إنصاف لأجيالنا، ما لم يُسند الأمر إلى أهله بناءً على معايير الكفاءة، والشهادة، والنزاهة القانونية الصارمة.
إن العلاج لا يتطلب شعارات فضفاضة، بل يقتضي قرارات سيادية حازمة تعيد للهيبة الإدارية والتربوية اعتبارها. ولسنا هنا بصدد ابتكار حلول تعجيزية؛ فالتاريخ الإداري القريب لقطاع التربية يحمل تجربة ناجحة وشجاعة يمكن القياس عليها، وتحديداً حين اتخذ وزير الدولة للتعليم آنذاك، أحمد ولد باهية، قراراً تاريخياً وجريئاً قضى بسحب جداول التدريس فوراً من مجموعة من مكوني مدارس تكوين المعلمين، بعد أن أثبتت نتائج تقويم علمي دقيق أشرف عليه خبراء أجانب عدم أهليتهم المعرفية والتربوية لممارسة هذه المهنة الحساسة.
وتأسيساً على ذلك المسار، فإن قطاع التربية اليوم أمام خيار لامفر له لإنفاذ القانون وتجسيد قيم الإنصاف التي ينشدها رئيس الجمهورية سواء عبر حل تقويمي أو آخر قانوني أمام المسابقة التي ولدت ميتة لعدم مطابقتها القانون.
إن هذه المقترحات لا تنطلق من خلفيات شخصية أو استهداف لأفراد بأعينهم، فليست لنا خصومة مع أحد، وإنما هي صرخة نابعة من صميم الإحساس بالمسؤولية الوطنية والتربوية تجاه مستقبل أجيالنا. إن خطورة مهنة “المكون” في المنظومة التربوية تجعل من المداهنة في هذا الملف خيانة للأمانة؛ فالمكون هو النواة الصلبة التي تُصنع عليها عقول معلمي المستقبل، وأي تهاون في مؤهلاته هو تدمير ممنهج للمدرسة الجمهورية. ومن هنا، نضع هذه التوصيات بين يدي الرأي العام وصناع القرار، دعماً لمسار الإصلاح الحقيقي، وإحقاقاً للحق، وإنصافاً للكفاءات القابعة في المدارس الابتدائية في كل مكان من ربوع الوطن، وتطهيراً لمصانع الأجيال من شوائب المحسوبية والارتجال.
عبدالله ولد امباتي
+22237370280
abdallambaty@gmail.com




