الأخبارفضاء الرأي

بداية الإنهيار ليست في انتشار الكذب بل عندما يصبح الصدق مخاطرة مهنية / محمد البوزيد

الرئيس وكبير المستشارين في مجموعة دعم الاعمال “ماب”

أخطر المنظمات ليست التي يكذب فيها بعض الأفراد…
بل التي يصبح فيها الصدق مخاطرة مهنية.

فلا أحد يكتب في السياسات:
“جمّلوا الأرقام.”
ولا أحد يعلن:
“لا تخبرونا بالحقيقة.”

لكن بعض الأنظمة تقول ذلك بطريقة أخرى.

عندما تُكافأ الصورة المريحة أكثر من الواقع الحقيقي…
يتعلم الناس بسرعة ما يجب قوله.

فيصبح من يكشف المشكلة مصدر إزعاج.

ويصبح من يخفف وقعها مصدر ارتياح.

ومع الوقت لا تختفي الحقيقة.
بل يختفي من يقولها.

هنا تبدأ المنظومة في فرز نوعية مختلفة من القيادات والمستشارين والمقاولين.

فتصعد أحياناً الشخصيات التي تعرف كيف تقول ما يرغب النظام في سماعه…
لا ما يحتاج فعلاً إلى سماعه.

وتُمنح بعض الفرص لمن يبيع الطمأنينة…
لا لمن يكشف الخلل.

تقارير أنيقة.
مؤشرات مطمئنة.
عروض براقة.

لكن عند أول قراءة جادة من أهل الخبرة…
تنكشف المشكلة.

ليس في التقرير فقط.
بل في النظام الذي قبله واطمأن إليه.

وما لا تدركه بعض القيادات أن تشوهات الأرقام لا تختفي بسهولة.

فكل نظام يترك بصمته.
وكل رقم يترك أثراً.
وكل نمط متكرر يروي قصة.

وقد يستطيع المختص الخبير أن يكتشف كثيراً من الاختلالات التي تراكمت عبر سنوات…
سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة.

لكن الهدف من التشخيص المهني ليس البحث عن مذنب.
ولا التصيد على أحد.
ولا إحراج الأشخاص.

الهدف هو فهم النظام.

ففي معظم الحالات لا يكون الخلل في نوايا الناس…
بل في الحوافز والإجراءات والمؤشرات وطريقة تصميم العمل.

ولهذا تفشل بعض برامج الحوكمة والنزاهة.

لأنها تطالب بالشفافية…
ثم تكافئ التجميل.

وتشجع على الإفصاح…
ثم تعاقب من يكشف المشكلة.

السؤال الحقيقي ليس:
هل لدينا موظفون نزيهون؟

بل:
هل صممنا منظومة تجعل الصدق طريقاً آمناً للنجاح؟

فالمنظمات الناضجة لا تحتاج إلى شعارات كثيرة عن النزاهة.

تحتاج إلى أنظمة تجعل قول الحقيقة أسهل من إخفائها.

لأن بداية الانهيار ليست عندما ينتشر الكذب…
بل عندما يتعلم الصادقون أن الصدق أصبح مخاطرة مهنية.

 

المصدر 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى