بين فوات الزجر وفساد العدالة: فلسفة درء العقوبة بالشبهات/ بقلم : ا.د كريم فرمان

المصدر : الكاتب /
تتأسس الأنظمة القانونية والقضائية عبر التاريخ على ميزان دقيق يوازن بين حماية المجتمع من الجريمة وبين صيانة حريات الأفراد وحقوقهم ،وفي قلب هذه الموازنة تبرز قاعدة تاريخية تلتقي فيها الشريعة الإسلامية بالفقه القانوني الغربي، صاغها الفقه الإسلامي في مبدأ “درء الحدود بالشبهات”، ونحتها الفقه الغربي في “صياغة بلاكستون” الشهيرة: “لأن يفلت عشرة مذنبين خيرٌ من أن يُدان بريءٌ واحد”.
إن هذا التناغم يرسخ حقيقة أن الخطأ في العفو هو ثغرة، بينما الخطأ في العقوبة هو فساد في أصل العدالة وهدم لأركانها.
اذ يمثل هذا التوجه الإنساني والقانوني صمام أمان للمنظومة القضائية، وتتجلى مزاياه في عدة نقاط جوهرية:
* صيانة اليقين القضائي: يُلزم المبدأ القاضي بعدم التأسيس على الظن، فالأحكام الجنائية تبنى على الجزم واليقين لا على الشك والتخمين.
* حماية السلم الاجتماعي: إن تبرئة مذنب بشبهة تترك للمجتمع فرصة لإصلاحه أو مراقبته، بينما إدانة بريء واحد تسلب المجتمع ثقته في القضاء وتورث شعوراً بالقهر والظلم العام.
* تحصين هيبة القضاء: تكتسب الأحكام هيبتها وقبولها الاجتماعي عندما يطمئن الجميع أن القانون لا يظلم أحداً، وأن العقوبة لا تنال إلا من ثبت جرمه بيقين لا مرية فيه.
* توجيه جهاز الادعاء: يدفع هذا المبدأ أجهزة التحقيق والادعاء إلى بذل أقصى جهد لجمع الأدلة الدقيقة والصلبة، بدلاً من الاعتماد على مجرد الشبهات أو الاعترافات المنتزعة.
وعلى الرغم من نبل هذا المبدأ وعمقه الأخلاقي، إلا أن المبالغة في تطبيقه أو إساءة استغلاله قد تنتج عنها أضرار تمس سير العدالة
* شبهة الإفلات من العقاب: قد يتسبب التوسع في تفسير “الشبهات” في خروج مجرمين حقيقيين من قبضة العدالة، مما يضعف الأثر الزجري للقانون.
* تجريد الضحايا من الشعور بالإنصاف: عندما يفلت الجاني بسبب ثغرة شك، قد يشعر المجني عليه أو ذووه بالخذلان، مما يضعف مبدأ العدالة الناجزة لديهم.
* تهديد الأمن المجتمعي: إن إطلاق سراح من تحوم حوله شبيهات قوية (دون بلوغ حد اليقين) قد يعيده إلى بيئة الجريمة، مما يشكل خطراً مستمراً على أمن الأفراد.
* التشجيع على التلاعب القانوني: يتيح المبدأ أحياناً لمهندسي الدفاع القانوني التركيز على اصطناع ثغرات شكلية أو إجرائية لخلخلة يقين المحكمة، بدلاً من البحث في جوهر الحقيقة.
إن العدالة لا تُقاس بعدد من تُنزل بهم العقوبة، بل بمدى نظافة ساحتها من ظلم الأبرياء. وإفلات المجرم -رغم مرارته- يبقى خطراً يمكن تداركه بالرقابة أو بالوسائل الاحترازية، أما إدانة البريء فهي رصاصة في صدر العدالة لا يمكن تعويضها. لذلك، يظل تغليب خشية ظلم العقوبة على خشية فوات الزجر هو الخيار الأكثر نضجاً وإنسانية في تاريخ الفكر القانوني.




