الأخبارمقالات و تحليلات
المهندس أحمد ولد أعمر يكتب : ماذا لو تمت رقمنة التعيينات ؟

ليست الرقمنة مجرد انتقال من المعاملات الورقية إلى المنصات الإلكترونية، بل هي انتقال من إدارة الأشخاص إلى إدارة المعايير. ففي مجال التعيينات، تمثل الرقمنة إحدى أهم أدوات تحقيق العدالة الإدارية، لأنها تجعل القرار مبنيًا على البيانات الموثقة لا على العلاقات الشخصية، وعلى الاستحقاق لا على الوساطة.
فالخوارزمية، متى صُممت وفق القانون وخضعت للرقابة، لا قبيلة لها، ولا جهة، ولا حزب، ولا تعرف أسماء العائلات أو موازين النفوذ. إنها تتعامل مع الشهادات، والخبرات، ونتائج الاختبارات، وفق معايير موحدة تطبق على الجميع بالقدر نفسه، دون تمييز أو استثناء.
ولا يعني ذلك إقصاء الإنسان من عملية التعيين، بل نقل دوره من صناعة القرار إلى ضمان نزاهة النظام ومراقبة سلامة تطبيقه. فالرقمنة لا تلغي المسؤولية البشرية، وإنما تقيدها بالقانون، وتحد من السلطة التقديرية التي كانت تمثل منفذًا للمحاباة أو تضارب المصالح.
إن أخطر ما تسببه الأنظمة التقليدية ليس ضياع بعض الوظائف فحسب، بل ترسيخ الاعتقاد بأن النجاح تصنعه العلاقات أكثر مما تصنعه الكفاءة. وعندما يفقد الشباب الثقة في عدالة المنافسة، تتراجع قيمة العلم والاجتهاد، وتبدأ العقول في البحث عن الهجرة أو الانسحاب من خدمة الوطن.
أما حين تصبح الرقمنة هي البوابة إلى الوظيفة العمومية، فإن الدولة ترسل رسالة قوية إلى جميع مواطنيها: أن الوظيفة العامة ليست امتيازًا يُورث، ولا فرصة تُنتزع بالنفوذ، وإنما مسؤولية وطنية لا ينالها إلا من استحقها بعلمه وكفاءته.
فالرقمنة ليست مشروعًا تقنيًا فحسب، بل مشروعًا لبناء دولة المؤسسات، حيث تقف الخوارزمية على المسافة نفسها من جميع المواطنين، ويصبح الانتماء الحقيقي الذي تعترف به الإدارة هو الانتماء إلى الكفاءة، لا إلى أي شيء آخر.

نحيات المهندس
أحمد ولد أعمر




